حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2004/03/16

لاروش: ليلة جاءوا لقتلي

مصنف تحت مقالات — 2:05 م

لاروش: ليلة جاءوا لقتلي

أسباب التعتيم الإعلامي على حملة ليندون لاروش لانتخابات الرئاسة

16/03/2004


ترجمة وتعليق حسين العسكري (يرجى عدم الخلط بين تعليقات المترجم والنص الفعلي لتصريح لاروش أدناه)

يتساءل الكثيرون: لماذا لا نرى لاروش في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية في سياق تغطية حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2004؟ إذا كان لاروش بمثل كل هذه الأهمية والشعبية لماذا لا يذكر أسمه؟ يجيب لاروش على هذه التساؤلات في التصريح الفريد أدناه حيث يشير لأول مرة إلى العلاقة بين مدى حقد المؤسسات السياسية والمالية الأمريكية ووسائل الإعلام الكبرى المملوكة لها ونفوذه المبكر في الساحة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية والعالمية.

على القارئ أن يحل المفارقة التالية ليفهم سر التعتيم الإعلامي على حملة لاروش ويسخن ذهنه قبل البدء بقراءة تفسير لاروش لهذا التصرف الغريب: حسب آخر الإحصائيات الرسمية من “لجنة الانتخابات الفدرالية (Federal Elections Commission) لغاية شهر فبراير حصل لاروش على أكبر عدد من التبرعات لحملته مقارنة بجميع المرشحين الديمقراطيين الآخرين وبضمنهم السيناتور جون كيري الذي يذكر أنه المنتصر الكبير في الانتخابات التمهيدية. ويتفوق لاروش على كيري بعشرة آلاف متبرع، حيث قدم حوالي 36 ألف مواطن أمريكي تبرعا قيمته مائتي دولار أو أكثر لحملة لاروش بينما لم يتجاوز عدد المتبرعين لحملة كيري 25 ألفا. ويتقدم لاروش على باقي المرشحين في مستوى الدعم الشعبي لحملته بأشواط. كما أنه المرشح الوحيد الذي لديه حركة سياسية نشطة مكونة من مئات الشباب الأمريكيين في سن التعليم الجامعي. إذا عُرِف السبب بطل العجب.


ليلةَ جاءوا لقتلي

بقلم ليندون لاروش

2 مارس 2004


في 6 أكتوبر عام 1986 هبط جيش فعلي قوامه أكثر من 400 فرد مسلّح على بلدة ليزبرج (Leesberg) في ولاية فرجينيا للغارة على مكاتب مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو (Executive Intelligence Review) و شركاءها، كما انتشر هذا الجيش لمهمة أخرى أكثر ظلامية. فقد تم تطويق مكان إقامتي من قبل قوة مسلحة بينما كانت الطائرات والمركبات المدرّعة والموظفون المسلحون الآخرون ينتظرون أمر اقتحام المسكن وإطلاق النار. لحسن الحظّ لم يقع القتل، لأنّ شخصا ما ذا سلطة أعلى من سلطة رئيس القسم الجنائيّ لوزارة العدل ويليام ويلد (William Weld) أمر بإلغاء الهجوم عليّ. أما القوات التي كانت قد أعدت للهجوم علي وعلى زوجتي وعدد من مساعدي فقد انسحبت في الساعات المبكرة من الصباح.

تلك كانت المحاولة الثانية الموثقة بشكل كامل لتورط وزارة العدل الأمريكية في عمليات استهدفت تصفيتي شخصيا من عالم السياسة. المحاولة الأولى توجد موثقة في إحدى وثائق مكتب المباحث الفيدرالي (FBI) مؤرخة بتاريخ نهاية عام 1973. الأولى كانت عمليّة أمريكيّة داخليّة، أما الثانية في 6-7 أكتوبر 1986، فكانت ذات طابع دولي متضمنة اشتراك حكومة السّكرتير العامّ ميخائيل جورباتشوف السوفيتية. لفهم المستوى العالي للتسلسل القيادي الذي يقف وراء الطّريقة التي يحاول فيها بيروقراطيو اللجنة القومية للحزب الديمقراطي استبعادي من هذه الانتخابات باستخدام محاولة الحزب إلغاء “قانون حقوق التصويت”، يجب أن نشير إلى الخصائص الأساسية لمحاولات تصفيتي في العامين 1973 و 1986.

هذه ليست مجرد شكوى شخصية. فالغالبية العظمى من الأمريكيين هم مثلي الضحية المقصودة في هذه القضية. ولهم حق معرفة ماذا يُفعَلُ بهم الآن في هذا الإطار. سأشرح ذلك.

أحداث 6-7 أكتوبر 1986 تلك بدأت في السّويد، عندما قتل شخص ما رئيس وزراء تلك الدولة أولوف بالمه (Olof Palme)، و فورًا وبشكل مخادع وضع اللوم لجريمة القتل تلك علي (*1). تم تبني عملية التشهير هذه فورًا من قبل أعدائي القدماء المعتادين على الكذب في صحيفة واشنطن بوست، وتم نسخها في وسائل الإعلام المعروفة الأخرى الشبيهة بمجاري القاذورات. وقعت جريمة القتل تلك في جو من الدعاية الإعلامية الهائلة المحرضة بالكراهية ضدي في كلّ أنحاء العالم، من قبل حكومة صديق أرماند هامر (Armand Hammer)، غورباتشوف. سر المشاركة السوفييتية في الهجوم ضدي كانت معرفة كبار المسؤولين هناك بدوري في وضع ما سمّاه الرّئيس رونالد ريجان علانية بـ “مبادرة الدّفاع الاستراتيجي” (Strategic Defense Initiative). كان غورباتشوف كراعيه السّابق السّكرتير العام السّوفييتيّ يوري أندروبوف يكرهني كرها شديدا على خلفية دوري العالمي وداخل الولايات المتحدة أيضا في تطوير مقترح مبادرة الدفاع الاستراتيجية.

أصبح واضحًا خلال ذلك العام، أنّ عملية قتل بالمه الذي كان يمثل هدفا رخيصا قد استخدمت، وربما كانت تلك النية وراء قتله، لخلق بيئة لما قد يصبح فيما بعد “عملية انتقام مبررة” نتيجتها قتلي. لم يتم لحد هذا اليوم تقديم أيّ دافع مقنع آخر لقتل بالمه للرأي العام. إن تتبع كل التطورات ذات العلاقة في الفترة ما بين إطلاق النّار على بالمه إلى أحداث بلدة ليزبرج في 6-7 أكتوبر في نفس تلك السّنة يبين أن جميع الأحداث ـ وتتضمن الخطوات التحضيرية التي تم اتخاذها من قبل (المدعي العام) لولاية بوسطن وليام ويلد ـ تمثل علاقة ترابط منظمة بين قتل بالمه وأحداث 6-7 أكتوبر المشار إليها.

حينما ينظر المرء إلى محاولات وزارة العدل تصفيتي، بيرز السؤال الواضح التالي: “هل هنالك رابط بين العمليتين في 1973 و 1986؟” إنهما حقا مرتبطتان بشكل وثيق، وهما المفتاح لفهم لماذا قررت القوى المالية التي تقف وراء أفعال رئيس اللجنة القومية للحزب الديمقراطي تيري ماكوليف (Terry McAuliffe) ضدي اليوم، وعلى نحو هستيري جدا استبعاد المرشح الرئاسي الديمقراطي الذي يمثل الآن رسميا أوسع قاعدة شعبية للدّعم الماليّ بين المتنافسين الديمقراطيين الحاليين. لماذا تخشاني القوى التي تقف خلف هذه الأفعال إلى هذه الدرجة بحيث أنها تلجأ إلى مخاطرات سياسية كبيرة بشكل غير عادي في توجيه أنواع الجهود هذه لأجل تصفيتي سياسيا و شخصيا؟

في المحاولة الثانية، أي 6-7 أكتوبر 1986، كان الدافع الواضح للقتل الرسمي المخطط له ضدي وضد زوجتي وآخرين في تلك المناسبة، هو دوري في تطوير “مبادرة الدفاع الستراتيجي”. ومن سخرية الأقدار (لكن ليس من قبيل المصادفة) أطلقت هذه العملية ضدي في الوقت الذي كان الرئيس ريجان على وشك مقابلة غورباتشوف في ريكيافيك، عاصمة أيسلندا، حيث أصر الرئيس ريجان مجددا على تمسكه بمبادرة الدفاع الستراتيجي”(*2).

لكن هناك علاقة مباشرة بعملية الإف بي آي السابقة عام 1973. إن محاولة عام 1973 لتصفيتي الجسدية وشبه المذبحة الوشيكة في 6-7 أكتوبر 1986 و المجهود العنيد لاستبعادي من النّقاشات الآن، هي كلها إفرازات للقضية نفسها المتعلقة بمعركتي ضد جهود بعض علماء الاقتصاد الليبراليين وآخرين لوضع العالم بالكامل تحت نير سياسات وزير الاقتصاد النّازيّ السّابق يالمار شاخت (Hjalmar Schacht).

إن المصدر الأصلي لكل هذه الأفعال وغيرها هو ليس وزارة العدل الأمريكيّة، بل سلطة أعلى كثيرًا من الحكومة الأمريكيّة، وهي نفس تشكيلة المصالح المالية الأوليجاركية العالمية ذات النمط الفينيسي (نسبة إلى مدينة البندقية) وشركات المحاماة المرتبطة بها التي أطلقت موجة الدكتاتورية الفاشية في أوروبا خلال الفترة من عام 1922 إلى 1945. السّمة المشتركة للمصالح المالية الدولية يومها واليوم هي تمسكها حاليا بفرض اقتصاد “شاختي” على كل من الولايات المتّحدة الأمريكيّة نفسها و أيضًا على العالم بشكل عام كما تمثل عملية سلب الأرجنتين حاليا نموذجا عمليا لهذه الممارسات الفاشيّة.

نيّة هؤلاء المموّلين وراء مطالبتهم باستبعادي من نشاطات الحزب الدّيمقراطي هي محاولة ضمان أن الرئيس التّالي للولايات المتّحدة الأمريكيّة لن يكون شيئا سوى ساعي مكتب للمصرفيين وموالي للفاشية في القضايا المتعلقة بالسياسات الاجتماعية والاقتصاد القومي. إن عددا ملحوظا من أصحاب المصالح المالية الموالية للفكر الشاختي هم من كبار ممولي الحزب الديمقراطي.


ثلاث قضايا مترابطة


أن ما يكمن وراء كلّ العمليّات الموجهة ضدّي، من عام 1973 إلى اليوم، هو انعكاس للخصائص المشتركة لثلاثة قضايا مترابطة بإحكام. الأولى هي معارضتي الموالية للرئيس السابق فرانكلن روزفيلت (Franklin D. Roosevelt) ضد الاقتصاد الشاختي. الثّانية هي معارضتي لما يسمّى بالمذاهب العسكرية “الطوباوية” (Utopian) المرتبطة حاليا “بالرجل الوحش” ديك تشيني (Cheney). الثالثة، هي نيّتي عكس مسار حماقات الانجراف الانحطاطي للولايات المتّحدة الأمريكيّة في السنوات الأربعين الماضية من موقعها كالدولة المنتجة الأولى في العالم إلى الفوضى الوحشية الحالية المشابهة لمجتمع الخبز والسيرك الروماني الإمبراطوري ما بعد الصناعي.

عد بذاكرتك إلى صيف وخريف عام 1971. عندما أصدر الرئيس ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) أوامره بتدمير نظام بريتون وودز (Bretton Woods) في 15-16 أغسطس عام 1971، رددت أنا على ذلك بإدانتي لعدم كفاءة الاقتصاديين الكبار الذين كانوا يصرون على أن حدثا جللا مثل هذا سيكون من المستحيلات في ظل وجود “عوامل الاستقرار الكامنة” في النظام. كنت أحذر منذ أواسط السّتينيّات مرارًا وتكرارًا وعلانية من اتجاه محتمل بدرجة كبيرة لوقوع سلسلة أزمات نقدية دولية تقود نحو الانهيار الحتمي لنظام النقد العالمي الموجود حينذاك. وقد حدث ذلك فعلا. مرة أخرى ثبتت صحة كفاءتي باعتباري متنبّئ اقتصادي بعيد المدى، بينما ثبت أن كلّ كتاب دراسي في علم الاقتصاد وعمليا كل أستاذ جامعي كانوا مخطئين تماما في هذه القضية.

لذلك قمت ومساعدي ببدء حملة ضد أساتذة الاقتصاد الأكاديميين. إن الاضطراب الذي سببته تلك الحملة داخل حرم الجامعات و في أماكن أخرى، دفع علماء الاقتصاد القلقين ومالكيهم لاختيار أحد أبطالهم ليهزمني في مناظرة علنية. وقد وقع اختيارهم على تعيس الحظ البروفيسور آبا ليرنر (Abba Lerner) المعروف آنذاك على أنه من أبرز أساتذة الاقتصاد “الكينيزيين” (نسبة إلى كينز Keynes) في الولايات المتحدة.

وقعت المواجهة بيننا في إحدى بنايات حرم جامعة كوينز كوليج في نيويورك. وتجمع أساتذة الجامعات وغيرهم من الشخصيات المعروفة في الصفوف الأمامية، وجلس الطلبة وآخرون خلفهم. إن التحدي الذي وضعتُه أمام ليرنر هو أن اقتراحاته الحالية للبرازيل كانت مجرد صدى لمذاهب وزير الاقتصاد النّازيّ يالمار شاخت. وحذّرت أن سياسته نحو البرازيل كانت نموذجا لأنواع سياسات التقشف الشبيهة بالسياسات الفاشية التي سيتم فرضها تحت الظروف الجديدة التي خلقتها سياسات نيكسون. طوال الوقت المخصص للمناظرة كان ليرنر يلف ويدور محاولا تغيير الموضوع من القضيّة الملموسة التي طرحتها باعتبارها السؤال الاختباري لذلك الوقت، أي السياسة ابرازيلية. ثمّ أُغلق النقاش حينما صرخ ليرنر: “لكن لو كانت ألمانيا قد قبلت سياسات شاخت، لما كان هتلر ضروريا.” كانت ردة فعل الحشد المجتمع في القاعة تجاه هذه العبارة من ليرنر وكأنهم قد صعقوا. ثم حُمِلَ ليرنر مجازا من أرض المعركة غير قادر على القتال ذلك اليوم.

منذ تلك المناسبة، لم يجد أي عالم اقتصاد بارز في أيّ جزء من العالم الشجاعة الكافية ليتحداني في نقاش علني حول هذه القضايا الحاسمة للسياسة الاقتصاديّة الشاختية التي تفرضها الولايات المتّحدة منذ ذلك الوقت. كما أشار صديق ليرنر البروفيسور سيدني هوك (Sidney Hook) قائلا: “لقد فاز لاروش بالنّقاش، لكنه…” سيخسر الكثير بسبب ذلك. كانت تلك طريقته في القول أن “المؤسسة الحاكمة” ستتّحد ضدّي. وقد فعلت ذلك.

لم تكن هناك أية مصادفة في أي من هذه الأمور. فتحول الاقتصاد البريطاني والأمريكي بعيدًا عن دور الولايات المتّحدة البارز كأعظم أمة منتجة في العالم نحو الطوباوية “ما بعد الصناعية” المؤيدة لفكر “شاخت”، كان العلامة الفارقة لحملة نيكسون للرئاسة بين عامي 1966 و1968. حماقات هذا التحول “ما بعد الصناعي” إلى سياسات تحديد الإنفاق المتوحشة قادت حكومة الولايات المتحدة إلى نقطة كان لا بد فيها من أن تختار بين التخلي عن السياسات الاقتصادية و الثقافية الغبية الشائعة في فترة ما بعد الرئيس كندي أو أن تختار بالضبط ما خشيت أنهم سيعملون. قرار نيكسون في 15 أغسطس 1971 جَعَلَ المسيرَ باتجاه الدمار الاقتصادي والدكتاتورية الشبيهة بالفاشية أمرا حتميا. هكذا أدى قرار نيكسون في منتصف أغسطس إلى جعل قضيّة المناظرة بين “لاروش وليرنر” عام 1971 القضية المستمرة الحتمية البارزة لسياسات الولايات المتحدة الاقتصادية.

وضع قرار نيكسون المؤسسات الأمريكية الرئيسية والناخبين الأمريكيين في حوض سمك اقتصادي أيديولوجي فعلي. هذا يعني: قد تعتقد السمكة المسكينة أنها تستطيع أن تحكم الكون كونه عن طريق اختيار ذلك الجزء في داخل حوض السّمك الذي تتمنى السباحة إليه، لكن حوض السمك ذاته يتم تحريكه بدون وعي من السمكة إلى المكان الذي يتجه حوض السمك كله إليه. هذه هي الأوهام الطوباوية المأساوية للديكارتيين والمؤمنين بشكل أعمى بما يعرّفونها كبديهيات ومسَلَّمات بينة بذاتها. الكون الذي يؤمنون به هو فقط حوض سمك امتلأ بهؤلاء الحمقى الذين يعتقدون أن اختيارهم الفردي الحر، حسب هذا المعتقد، هو الذي يتحكم في أقدارهم.

ليس لدى الناس العاديين أية فكرة حقيقية عن مدى وشدة الحقد الذي يحمله المصرفيون الليبراليون الموالون لشاخت ضد ذكرى الرئيس فرانكلين روزفلت. معظم منافسي على الرئاسة من حلفاء الشركات من جيل ما بعد الحرب العالمية, لا يعرفون حتى ما هو التكتيك الشاختي وماذا يعني. إن انتصار الولايات المتّحدة الأمريكيّة بقيادة روزفلت على جهود هؤلاء الممولين الشاختيين المواليين للحركة السيناركية (Synarchist) لخلق تحالف فاشي عالمي أثناء عقود ما بعد معاهدة فيرساي، قد دفع مموّلي اليوم للبحث عن كلّ الوسائل الممكنة لاقتلاع و تدمير نموذج الجمهوريات الزراعية الصناعية التي مثلها انتصار روزفلت على هتلر وآخرين. لذا في أغسطس 1944، وبمجرد تحقيق الاختراق في النورماندي بقيادة الولايات المتحدة الذي ختم النهاية المحتومة لهتلر، فإن الممولين الذين ساندوا مؤقتا جهود روزفيلت الحربية قاموا بإطلاق التحول اليميني المتمثل بالدور القيادي لبرتراند راسل (Bertrand Russell) في تأسيس المذهب الاستراتيجي الطوباوي لحكومة عالمية عن طريق الحرب النووية الوقائية.

دافع الرئيس دوايت آيزنهاور (Dwight Eisenhower) المتمسّك بالتّقاليد العسكرية أثناء فترتي رئاسته عن نظامنا الدستوري ضد الطوباويين الهائجين الذين سماهم آيزنهاور “المجمع الصناعي العسكري”. لكن اغتيال الرئيس جون كينيدي كسر ظهر المقاومة ضد هؤلاء الطوباويين. إن غرق الولايات المتحدة الرسمي في الرمال المتحركة للحرب اللامتوازية في الهند الصينية والتحول الموازي لترك الحرب في تركيبة المجتمع نحو “المجتمع ما بعد الصناعي” في منتصف الستينات كانا من علامات انتصار الطوباويين. أما عمليتا اغتيال مارتن لوثر كينج وبوبي كيندي فقد كانتا عنصرا حاسما في المسير نحو دمار ثقافتنا الاقتصاديّة وما هو أسوأ.

لقد دمر التحول الثقافي الانحطاطي المتمثل بثقافة موسيقى الروك والمخدرات والجنس المضادة، عقل وقلب ما كان يوما أعظم اقتصاد في العالم وهو الاقتصاد الأمريكي. غرض ذلك التحول الثقافي المفروض كان اجتثاث كل ما كان موجودا في الولايات المتحدة من إنجازات حققها الرئيس فرانكلن روزفيلت.

إن اقتراحي لما قام الرئيس ريجان بتسميته فيما بعد بـ “مبادرة الدفاع الاستراتيجية” برز من إدراكي للخطر الفعلي المتنامي لحرب نووية شاملة، ذلك الخطر الكامن في مذهب عصابة جيمس آر شليزينجر (James R. Schlesinger) حول قضية ما كانوا يسمونه “الخطر الداهم” (present danger). فاستجابتي كانت نتيجة لقناعتي بأن الجنون النووي لأصدقاء بريجنسكي في “اللجنة الثلاثية” (Trilateral Commission) شليزينجر وآخرين قد أظهر أن الولايات المتحدة يجب أن تجد طرقا لإشراك الاتحاد السوفيتي في سياسة بديلة طويلة الأجل بدلا من الحرب النووية الموجودة ضمنا في استمرار سياسات شبيهة بسياسات راسل التي كانت تسمى بسياسة “اللاحرب واللاسلم” في السبعينات. هكذا، عندما استضاف مجلس الأمن القومي لإدارة ريجان مناقشاتي السرية مع الحكومة السوفيتية للنظر فيما اقترحته كبديل مناسب، أصبحت عندها خطرًا عظيما على سياسات الطوباويين داخل وخارج مؤسستنا العسكرية. عندما انتهى الرئيس ريجان من إلقاء خطابه المتلفز في 23 مارس 1983، قرر هؤلاء أنني قوة سياسية قادرة معارضة لسياساتهم الطوباوية وأنني ذو قدرة أكبر من أن يسمح معها لي بالبقاء على قيد الحياة. هذه هي نفس القضية التي أمثلها اليوم في مواجهة تشيني وزمرته من المحافظين الجدد المهووسين. هذا هو الدافع الرئيسي وراء أحداث عام 1986 المشار إليها.

بهذه الطريقة تكون قضيّة معارضتي للسياسات الاقتصادية الشاختية ومعارضتي للجنون العسكرية الطوباوي ومعارضتي للتحول الثقافي الإنحطاطي في العقود الأربعة الماضية لاقتصاد وعقل وأخلاقيات أمتنا هي ثلاثة جوانب لنفس القضية. لهذه الأسباب كانوا يتمنون أن تتم “تصفيتي” في عام 1973، وسعوا إلى تصفيتي بأفعال علنية مخزية في عام 1986، ويحاولون اليوم تصفية كل أثر لنفوذي العالمي.


“إن لم يكن الموت فليكن السجن”


أدى إجهاض الهجوم المسلح في 6-7 أكتوبر 1986 لاحقا إلى بروز مناقشات حادة رفيعة المستوى في الأوساط المعنية. كان خط سير النقاش هو “هل نقتله أم نسجنه؟”. كان التهديد من الجناح الطوباوي واضحا: “إذا سمحتم له بالفوز على محاولتنا زجه في السجن بالتلفيق القانوني، فلن تتمكنوا من منعنا من قتله هذه المرة!”

كان ذلك القرار موضوع نقاش منذ مساء إلقاء الرئيس ريجان خطابه المتلفز في 23 مارس 1983. بعد أيّام قليلة، أعاد الطوباويون تشكيل صفوفهم حول دوائر تتضمن الطوباوي اليميني دانييل بي جراهام (Daniel P. Graham) المناهض لفكرة مبادرة الدفاع الستراتيجي (وخصم لاروش والدكتور إدوارد تيللر Edward Teller)، كما تضمنت تلك الدوائر الطوباويين في “هيريتاج فاونديشن” (مؤسسة التراث Heritage Foundation). لذا استمر اسم “مبادرة الدفاع الستراتيجي”، لكن تحت نفوذ الدوائر الداعمة لجراهام تَغيَّر مضمونها بشكل جذري بحيث تم التركيز على تكنولوجيات عقيمة وبائدة ليست ذات فائدة لنوع المهمة المشار إليها في المبادرة في الفكرة الأصلية.

في 12 أكتوبر عام 1988، ألقيت خطابا ذا معنى تاريخي في برلين تم تسجيله ليبث تلفزيونيا في وقت لاحق من ذلك الشهر في شكل حملة إعلانية انتخابية على المستوى القومي في الولايات المتحدة. توقّعت في ذلك الخطاب الانهيار الوشيك للتحالف السوفييتي ابتداء ربما من بولندا قريبا لينتشر في الأجزاء الأخرى من شرقي أوروبا و الاقتصاد السوفييتي ذاته. واقترحت مسارا للتحرك الأمريكي عن طريق الفعل الاقتصادي الإيجابي للتعامل مع الفرصة المتاحة لاقتلاع جميع المسببات الفكرية الضمنية للنزاعات العسكرية الكبرى في كل العالم.

بعد قليل دُفِعتُ على عجل إلى السّجن من خلال أسرع وربما المحاكمة الأكثر غرابة واحتيالا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في المحكمة الفيدرالية لمدينة أليكساندريا في المنطقة الشّرقيّة لولاية فرجينيا. لذا في واقع الأمر قام الرئيس الذي قرأ يمين التنصيب رئيسا حديثا الرئيس جورج بوش بوضعي في السّجن وبعد أكثر قليلا من خمس سنوات قام الرئيس بيل كلنتون بإخراجي منه (*3). الآن يدور العالم دورة جديدة حول دائرة الأزمة. هذه المرة يقوم أولئك المصرفيون الذين يتمنّون وضع مرشح ديمقراطي يكون بمثابة ساعي مكتب لسياساتهم الشاختية في البيت الأبيض بنفس الألاعيب القذرة ضدي مجددا. أنهم يرتعبون من فكرة أن أقترب أنا، وواضح أنني لست ساعي مكتب في هذه القضايا، ولو اقترابا من البيت الأبيض.

بعض قادة الأمم يتم انتخابهم، وآخرون يقتلون أو يرسلون إلى السجون لتشوه سمعتهم. هكذا قامت عصابات أصحاب المال القوية كثيرا بتحديد مصائر الأمم والشعوب إذا سمحت الشعوب لذلك بأن يحدث. لهذا ففي عالم اليوم، يكون أعظم إنجاز لأية جمهورية هو ضمان انتخاب قادة كفء وحمايتهم من القتل بإشارة من إصبع زعيم مافيا مالية موالي للسيناركية.


***


الملاحظات (بقلم المترجم وليست من النص الأصلي للاروش)


(*1) اغتيل رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه في 28 فبراير 1986. بعد ثلاثة أيام نشرت مقالات في صحيفة دنماركية (إكسترا بلادت) وألمانية (تاجيستسايتونج) تشير بإصبع الاتهام إلى حزب العمال الأوربي السويدي المرتبط بلاروش. إن صدور هذه الاتهامات في صحف غير سويدية يدل على أن مصدر هذه الاتهامات لم يكن الشرطة السويدية. لم تبدأ الصحف الرسمية السويدية بالإشارة إلى لاروش علنا إلا في وسط شهر مارس. لكن الصحف السوفيتية كانت مليئة بالمقالات المعادية للاروش من البداية. أما في الولايات المتحدة فقد بلغت حملة التشويه ضد لاروش في وسائل الإعلام مستوى جنونيا في تلك الفترة. في عام 1991 وبعد سقوط جدار برلين أجرت صحيفة “يورناليستن” (الصحفي) السويدية مقابلة مع ضابط المخابرات الألمانية الشرقية السابقة المتحالفة مع السوفيت هيربرت بريمر، اعترف فيها بأن اتهام لاروش في مقتل بالمه كان من هندسته هو وأن القرار بتسريب هذه التلفيقات إلى الصحف الغربية والسويدية جاء من أعلى المستويات في أجهزة استخبارات حلف وارشو. من الواضح أن قرار المعسكر الشيوعي تلفيق تهمة اضطلاع لاروش في مقتل بالمه كان تم اتخاذه في نفس ليلة مقتل بالمه إن لم يكن قبلها.

(*2) ذكر لي أحد الصحفيين الدانماركيين الذين كانوا يغطون أنباء قمة غورباتشوف ـ ريجان من العاصمة الإيسلندية ريكيافيك في 11-12 أكتوبر 1986 من مقر تلك القمة، أنه بينما كان الصحفيون ينتظرون انتهاء اجتماع الزعيمين وبينما هم متجمعون في المركز الصحفي للقمة، ظهرت فجأة على شاشة التلفاز الضخمة صور نقلتها شبكة سي أن أن الحديثة حينها لعملية اقتحام موظفي الإف بي آي لمقرات مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو التي كان يديرها لاروش حينها. حصل الاقتحام قبل أسبوع من اجتماع القمة. وقد عرضت الصور تلك كإشارة لجورباتشوف والسوفييت الذي أصروا كما يعتقد الخبراء المطلعين على أن تعطيهم الولايات المتحدة دليلا ملموسا على أن لاروش لم يعد جزءا من فكرة مبادرة الدفاع الاستراتيجية كشرط ليحضروا القمة مع ريجان. لكن ريجان خيب أمالهم بتمسكه بتلك المبادرة، وفشلت القمة على خلفية هذه القضية وحدها.

المفارقة التي ينبغي إدراكها هنا هي أنه بقدر ما كان السوفيت يكرهون لاروش ومبادرة الدفاع الستراتيجي، كان هناك في المؤسسة الأمريكية وداخل الإدارة من يحقد أكثر على لاروش وعلى هذه الفكرة من أمثال هنري كيسنجر، لأنها أولا تسلبهم لعبة الحرب الباردة التي أبقت شعوب العالم رهينة بيدهم لعدة عقود، وثانيا لأنها وضعت لاروش في موقع قريب خطير من مركز صنع القرار الأمريكي.

(*3) حكم على لاروش بالسجن 15 عاما في 1989 بتهمة “التآمر” لارتكاب مخالفات مالية بدون أية أدلة حقيقية على ذلك. وقد قضى لاروش خمس سنين منها في سجن ولاية فرجينيا وأفرج عنه إفراجا مشروطا في عهد الرئيس كلنتون في عام 1994 بعد حملة عالمية طالب فيها قادة وسياسيون ومفكرون عالميون الرئيس كلنتون بتبرئة لاروش.