حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2009/04/19

المقاصد الاستراتيجية والاقتصادية وراء استهداف السودان

مصنف تحت دراسات,مقالات — 12:54 م

The Strategic and Economic Reasons Behind the Targeting of Sudan

المقاصد الاستراتيجية والاقتصادية وراء استهداف السودان

(خطاب موجه لمؤتمر الاتحاد العام لطلبة السودان لمناهضة قرار محكمة الجرائم الدولية، الخرطوم، ابريل 2009 )

حسين العسكري
رئيس حزب العمل الأوربي في السويد
عضو حركة لاروش العالمية
عضو معهد شيللر الدولي
كاتب في مجلة اكزكتف انتلجنس ريفيو
www.larouchepub.com

1. العسكري في معسكر السلام للنازحين في الفاشر، شمال دارفور
2. العسكري أمام سد مروي، شمال السودان

أود أن أشكر الاتحاد العام لطلبة السودان لدعوتهم لي إلى هذا المؤتمر، وأود أن أنقل إليكم التحيات الحارة من حركة لاروش في الولايات المتحدة واوربا.
إننا ندين ونعارض القرار غير القانوني والإجرامي الذي اتخذته محكمة الجرائم الدولية بإصدار مذكرة اعتقال ضد رئيس السودان عمر حسن البشير. إن هذا القرار هو خرق لأحد أهم أركان القانون الدولي وهو مبدأ السيادة التامة للدول الوطنية.
أريد أن أعرض عليكم في هذه الكلمة ما هي باعتقادي المقاصد والأسباب الكامنة وراء استهداف السودان بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت الذي تعم فيه الأزمات العالمية.
لكي تفهم أي أمر ذي قيمة استراتيجية تاريخية، عليك أن تضعه في سياقه التاريخي الصحيح. إن استهداف السودان اليوم كما تعبر عنه قرارات المحكمة الدولية ضد الرئيس البشير، يأتي في وقت يشهد فيه العالم أسوأ أزمة مالية واقتصادية في التاريخ الحديث. هذه الأزمة، التي توقع مجيئها عالم الاقتصاد الامريكي ليندون لاروش قبل عدة سنين، بدأت في واقع الحال في بداية السبعينات من القرن الماضي، وذلك حينما تخلت الولايات المتحدة وأمم أوربا عن النظام المالي الصحيح نسبيا ذي أسعار الصرف الثابتة ونظام الإئتمانات الموجهة نحو زيادة الثروة الفيزيائية ورفاهية الشعوب. ثم لجأت عوضا عن ذلك نحو نظام استعماري جديد عن طريق تأسيس نظام دكتاتوري اقتصادي عالمي تحت مظلة مؤسسات عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها والتي زادت من سيطرة المصالح المالية الخاصة في مدينة أعمال لندن وحي الأعمال في وول ستريت على الشؤون الاقتصادية العالمية، وخاصة الموارد الطبيعية للأمم. وحلت المضاربات المالية تدريجيا محل النشاطات الاقتصادية الصناعية في الغرب.
وأصبحت الدول النامية والفقيرة تنتج بأبخس الأثمان المزيد والمزيد مما يستهلكه الامريكيون والاوربيون الذين بدأوا يقللون من استثماراتهم في العملية الانتاجية التي صدروها إلى معسكرات الأشغال الشاقة للعولمة.
بالتزامن مع ذلك تم خلق حركة سياسية جديدة باسم الدفاع عن البيئة، حيث تم اعتبار النمو السكاني في العالم النامي والتقدم العلمي والتقني في الدول الصناعية والتطلع نحو التقدم الاقتصادي أمورا مضرة بالبيئة ويجب وقفها. تم الترويج لهذا الفكر البيئي في الدول الصناعية بالدرجة الأساس لتبرير سياسة إبادة جماعية ضد الدول النامية باسم حماية الطبيعة من قبل مجموعات مثل “الصندوق العالمي لحماية الحياة البرية” (WWF ) ومؤسسه الأمير فيليب الذي يطالب علنا بالتخلص من “الفائض” من سكان العالم. إن الحملة التي شنت لمنع استخدام المبيد الحشري دي دي تي، قد أدى إلى قتل ملايين عديدة من البشر في أفريقيا وآسيا بسبب الملاريا، وهو يفوق ما تمكن هتلر من اقترافه في أوربا.
إن هذه السياسة قد تسببت في وقف عجلة التنمية واضطهاد ونهب الأمم في القطاع النامي. إن أشخاصا مثل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر كانوا أكثر صراحة من غيرهم في التعبير عن هذه السياسة حينما أشرف على وضع “مذكرة دراسة الأمن القومي 200″ التي ادعى فيها أن النمو السكاني في دول العالم النامي تشكل تهديدا استراتيجيا للولايات المتحدة وحلفائها الاوربيين. لماذا؟ لأن هذه الأمم ستحتاج للتقنيات الحديثة لإشباع حاجات شعوبها المتنامية وذلك بدوره سيؤدي إلى استهلاكهم لمواردهم الطبيعية في بلادهم لعملية التنمية، بينما نحتاج نحن في الولايات المتحدة وأوربا إلى تلك الموارد الطبيعية لسد حاجاتنا في المستقبل. مذكرة الامن القومي الأمريكية أوردت أسماء 15 دولة اعتبرت أهدافا لسياسة تقليل النسل هذه. اثنتان من هذه الدول هما جارتان للسودان: مصر وأثيوبيا.

إذا كنت تريد الحديث عن الابادة الجماعية، فلنتحدث عن “الإبادة الجماعية الصامتة” التي تم اقترافها بحق أفريقيا بيد بريطانيا بالدرجة الأساس وقوى أوربية وأمريكية. على مقربة من جنوب الحدود السودانية يموت 400 ألف انسان كل عام ولأكثر من عقد الآن في جمهورية الكونجو الديمقراطية بسبب نقص المياه الصالحة للشرب. أما في زمبابوي فقد مات 4000 شخص في الشهر الماضي فقط نتيجة لتفشي وباء الكوليرا، ويعاني مئات الآلاف من الزمبابويين من الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة، وهذا نتيجة للعقوبات الاقتصادية الاوربية والأمريكية التي تروج لها بريطانيا وكذلك عقوبات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المفروضة على القروض إلى زمبابوي. ويموت الملايين من الافريقيين بسبب مرض نقص المناعة الأيدز بينما الأدوية التي من شأنها وقف المرض موجودة لكن يحرم على أفريقيا انتاجها بأسعار رخيصة لإنقاذ أرواح مواطنيها. كان نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور الذي يدعي أنه يريد انقاذ كوكب الأرض من الاحترار العالمي ومن البشر هو الذي يقف وراء سياسة الحرمان هذه. هو وسوزان رايس كانا وراء عملية ضرب “مصنع الشفاء” للأدوية في السودان عام 1998. إن الملايين من الأفريقيين خاصة الأطفال منهم يموتون لا بسبب الحروب بل بسبب الإسهال نتيجة لعدم توفر مياه الشرب النظيفة أو بسبب سوء التغذية. لذلك فمعظم الدمار والموت في أفريقيا لا يقف وراءه القادة الافريقيون بل سياسة الإبادة الصامتة المفروضة على أفريقيا من الخارج.
على اية حال، هذا النظام الامبريالي الجديد الذي تم إطلاقه في نهاية الستينات وبداية السبعينات ينهار اليوم أمام أعين المصالح المالية في مدينة أعمال لندن ونيويورك. إن سيطرتها على الاقتصاد العالمي تنكمش والامم الوطنية في كل مكان، وحتى الولايات المتحدة ذاتها، تسعى لإيجاد حلول وطنية للأزمة مبتعدة عن نظام العولمة ونظام العالم الواحد المسيطر عليه عبر نظام مالي دكتاتوري. إن القوى التي ترى نظامها ينهار اليوم تفضل الحروب العالمية بدلا من فقدان سيطرتها على الاقتصاد العالمي وإعلان الهزيمة. لذلك فقد حركت عملاءها حول العالم لنشر الفوضى والحروب من أجل منع الدول الوطنية ذات السيادة من العمل معا لتأسيس نظام عالمي أكثر عدالة. هذه القوى تم الكشف عنها وتحديدها من قبل منظمتنا حركة لاروش بكل وضوح وبما لا يقبل الشك.
إحدى أهم هذه الحالات، والتي لها علاقة بمؤتمرنا هذا، هو التعاون ما بين المضارب العالمي والمروج للمخدرات جورج سوروس وشريكه ومسير أفكاره اللورد مارك مالوك براون الذي يشغل منصب وزير الدولة في الخارجية البريطانية مسؤولا عن ملف أفريقيا وآسيا. كان سوروس رأس حربة المصالح المالية العالمية في عملية تدمير عملات واقتصاديات دول آسيا واروبا في التسعينات. ماليزيا كانت الدولة الوحيدة التي أنقذت نفسها من الكارثة بفضل شجاعة وحكمة رئيس الوزراء آنذاك الدكتور محاضر محمد. لكن القليل من الأمم تمكنت من فعل ذلك.
ولكن ماذا فعل السودان ليستحق غضب هذه القوى الاستعمارية الجديدة؟
في الواقع، كل ما فعلته حكومة السودان منذ عام 1993 يعتبر “جريمة” في نظر هؤلاء.
أعطيكم بعض الأمثلة:

  1. السودان قاطع صندوق النقط الدولي وشروطه وقرر الاعتماد على موارده الذاتية وانتج ائتماناته ذاتيا وتعاون مع دول صديقة للحصول على قروض طويلة الأمد بفائدة قليلة لتمويل مشاريع التنمية.
  2. سعى السودان ليحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.
  3. أصر السودان على متابعة برامجه التنموية برغم الحروب والحصار. إن افتتاح سد مروي مؤخرا، وهو يعتبر أكبر مشروع هندسي جاري في افريقيا، هو النوع الصحيح من التنمية الذي من شأنه أن يرفع الأمم من الفقر إلى الرخاء، ومن شأنه أن يفتح عيون الامم الافريقية الأخرى للاحتذاء بمثال السودان.
  4. لقد استعمل السودان نفطه وموارده الطبيعية الأخرى لتنميته الذاتية من خلال سياسة نفط مقابل التكنولوجيا.
  5. لقد أسس السودان سياسة تعاون اقتصادي أمة مع أمة وهي سياسة تتحدى نظام الاستعمار والعولمة. إن التعاون الذي بدأه السودان مع الصين والهند وماليزيا هو نموذج ينبغي لأفريقيا الاحتذاء به. إن هذا التعاون هو تعاون مبني على أساس المصالح المشتركة والمساواة بين أمم ذات سيادة وطنية تامة لا مساس بها.
  6. بينما يعاني العالم من أسوأ أزمة غذاء عالمية، يهدد السودان بأن يصبح “سلة غذاء أفريقيا”. كما أن بإمكان السودان أن يصبح بالأفعال وليس بالخطابات والشعارات الفارغة، الأمة الأساسية في جعل الصحاري الأفريقية خضراء من جديد.

لكن مع كل ما ورد هنا، فإن ما يقترحه السيد لاروش وحركتنا وما أقترحه أنا هنا هو ليس العداء والتناحر بين السودان وأفريقيا من جهة والغرب من جهة أخرى. على العكس من ذلك، نحن نؤمن بأنه بدون وجود تعاون جاد ودعم من الولايات المتحدة وأوربا في عملية التنمية في أفريقيا، فإن هذه العملية لن تنجح أو على الأقل ستستغرق وقتا أطول مما تحتمله الظروف في القارة. لكن هذه العملية يجب أن تبنى على الاحترام المتبادل والتبادل الاقتصادي طويل الأمد. هذا ما نقترحه حاليا على إدارة الرئيس باراك أوباما. هذا ما نقترحه على الحكومات الأوربية. تخلوا عن السياسات الاستعمارية العنصرية واحتضنوا المبادئ الصادقة للأخوة بين أبناء الجنس البشري الواحد الذي لا ثاني له على اساس المبادئ التي رسختها معاهدة سلام ويستفاليا حيث تضع الأمم نصب أعينها مصالح الآخرين قبل مصالحها، ولا تتنافس كالوحوش الكاسرة لتدمير بعضها البعض.
لنلقي نظرة سريعة على دور السودان المحتمل في هذه العملية.

القدرات الزراعية الكامنة في السودان

إن السودان هو أكبر بلدان أفريقيا بمساحة تبلغ 2,5 مليون كيلومتر مربع. وفقا لدراسات منظمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة اللأمم المتحدة (الفاو) وغيرها من الإحصائيات الحكومية، يعتبر أكثر من ثلث مساحة البلد صالحا للتنمية الزراعية. لكن مع ذلك، أعتقد أن هذا التقدير غير سليم تماما لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار سوى المستوى التكنولوجي المتوفر حاليا، ويستثني الامكانيات الهائلة الكامنة التي يمكن أن تنتج عن الاستثمار المكثف في البنى التحتية الاقتصادية العملاقة في كل أرجاء البلد، وما يمكن أن يعنيه ذلك الامر للتوسع في القدرات الانتاجية الزراعية في المساحة وأيضا في زيادة معدل انتاجية المزارع السوداني.

يعتبر السودان بلدا مكتفيا ذاتيا من الاحتياجات الغذائية الأساسية. لكن النقص في هطول الأمطار في بعض المواسم قد يخلق نقصا حادا في الغذاء خاصة في المناطق الوسطى والغربية من البلاد، مما ينبهنا إلى ضرورة تطوير أنظمة البنية التحتية للمياه والري في البلد لتفادي تذبذب نسبة هطول الأمطار.

لم يطلق اسم “سلة الغذاء” على السودان اعتباطا وبدون سبب وجيه. وإلقاء نظرة على القدرات المحتملة للانتاج الزراعي يجعل هذا الأمر جليا. يتم تقدير المساحة الصالحة للزراعة بمئة وخمسة ملايين (105) هكتارأي 42% من مساحة البلد الاجمالية، لكن في عام 2002 لم تتجاوز الاراضي المزروعة فعلا أكثر من 16 مليون هكتار أو 7% من مجمل مساحة البلد و16% من إجمالي المساحة الصالحة للزراعة.

وكما هي الحال في الأمم الأفريقية الأخرى، يضيع جزء مهم من الناتج الزراعي أو تنخفض انتاجية المزارعين بسبب النقص في البنية التحتية الفعالة للري وإزالة الطمى والترسبات من القنوات وتتلف المحاصيل بسبب النقص في المبيدات الحشرية ومنشآت خزن المنتجات الزراعية ونقلها. بإدخال البنية التحتية الحديثة والتقنيات الزراعية، يمكن زيادة كل من المساحة المزروعة وانتاجية المزارعين بما يفوق الحسابات المقدرة الآن، بحيث يتمكن السودان ليس فقط من توفير الغذاء لشعبه وأفريقيا بل ولشعوب إخرى أيضا.

إن 65% من القوة العاملة في السودان تعمل في الفلاحة والتربية الحيوانية، لكن بانتاجية منخفضة. بإدخال المكننة الحديثة والتعليم والتدريب على التقنيات الزراعية الحديثة سيمكن لهذه القوة العاملة ان تضاعف انتاجها مرات ومرات. لقد تم إثبات ذلك في المزارع الحديثة حول مشروع سد مروي في المناصير وحمداب وأمري الجديدة، حيث يتمكن الفلاحون اليوم من بذر وحصاد خيرات الأرض ثلاث مرات في العام بدل من مرة واحدة كما كان الأمر قبل أن ينتقلوا إلى القرى الجديدة.

حينما تدخل الكهرباء والمكائن والبنية التحتية للري والنقل والتخزين للمنتجات الزراعية والصحة والتعليم لسكان أية منطقة فإنك تحول تلك المنطقة جذريا وديناميكيا. كل هذا حصل في مشروع سد مروي. لذلك فليس من قبيل المصادفة أن قرار المحكمة الاجرامية العالمية غير القانوني باعتقال الرئيس البشير صدر يوم الرابع من مارس، أي بعد يوم واحد فقط من افتتاح الرئيس البشير لسد مروي!

إن مشروع السد هذا وتأثيراته الجانبية في كل المنطقة المحيطة هو مثال ممتاز للتنمية الاقتصادية الحقيقية التي يمكن محاكاتها وتكرارها في كل أقليم آخر من السودان وأفريقيا. لقد سرني سماع الرئيس البشير وهو يعلن يوم افتتاح سد مروي أن مشاريع مشابهة سيبدأ العمل بها فورا في كجبار عند الشلال الثالث للنيل وعلى نهر عطبرة.

لكن قد يسالني السائل: كيف يساهم ما قلته هنا في حل أزمة دارفور؟ أولا بأعتقادي، أن حل الأزمة في دارفور يجب أن يتم داخليا عبر الحوار. لكن أي حل للأزمة لن يدوم طويلا إذا لم تروه بالماء وتعززه بالنمو والرخاء لكل سكان الأقليم.

بالرغم من أننا لا ننصح باستخدام أو المبالغة في استخدام المياه الجوفية كحل دائم لشحة المياه، بل ننصح (كما سأوضح بعد قليل) بجلب كميات جديدة من المياه عبر استخدام الطاقة النووية لتحلية مياه البحر وبناء القنوات لتحويل المياه من المناطق الوفيرة بالمياه إلى المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، لكن في هذه الظروف يمكن أن تصبح المياه الجوفية تحت أقليم دارفور موردا مهما في هذه الحالة وجزءا من الحل لا جزءا من المشكلة.

معروف أن أحواض المياه الجوفية الكبرى في السودان هما حوضان. الأول هو الخزان النوبي الرملي في شمال البلاد، والآخر هو خزان أم روابة في الغرب. في عام 2007 قال العالم الجيولوجي المصري الدكتور فاروق الباز، وهو عالم مصري عمل في وكالة ناسا الامريكية للفضاء من قبل، أنه اكتشف آثار بحيرة مياه جوفية قديمة جدا كبيرة كبر ولاية ماساتشوسيتس الامريكية (حوالي 22 ألف كم مربع). هذا الاكتشاف، سيجعل ممكنا بناء 1000 بئر كبيرة تضخ المياه لأكثر من مئة عام، حسب تعبير الدكتور الباز. (كمية المياه المقدرة 1000 مليون م³).

بإحضار الكهرباء من السدود الجديدة ستعطي المياه الجوفية أملا متجددا لإعادة البناء والتنمية والسلام في دارفور. إن مضخة مياه بقدرة 30 كيلوواط (فقط على سبيل المثال والمقارنة) بإمكانها أن تحل محل العمل البدني لثمانية وأربعين حصانا أو 384 رجلا، أو في الحالة الافريقية أمرأة أو طفلا. هكذا وبدلا من أن يقوم الأطفال بضخ ونقل المياه طوال النهار يدويا، يمكنهم أن يجلسوا في مقاعد الدراسة في المدرسة ويتركوا المضخة الكهربائية تقوم بالعمل بكفاءة أكبر منهم.

مثال آخر هو الثروة الحيوانية في السودان التي تعتبر الثانية حجما في كل أفريقيا. في عام 2000 كان عدد الماشية 37 مليون من الأبقار والجاموس و 40-46 مليون رأس من الغنم و 38 مليون من الماعز و 3 مليون من الجمال و 42 مليون من الطيور الداجنة. لكن 90% من هذه الحيوانات تتم ترتيبتها في أنظمة رعي تقليدية خاصة في الأقاليم الغربية في كردفان ودارفور وفي الولايات الجنوبية. إن مراعي الماشية هذه ذات قدرة انتاجية منخفضة لأن على الحيوانات تغطية مناطق هائلة من البلد بحثا عن الغذاء أو العلف. إن انتاج العلف في المزارع كان يغطي فقط 126 ألف هكتار في التسعينات. لو كان لديك نظام زراعة أعلاف حديث على نطاق واسع، فإن الانتاج الحيواني سيرتفع بينما ستنخفض مساحة الأراضي المطلوبة لتغذية الماشية. هكذا تحصل على المزيد من القليل. هذه من مفارقات الاقتصاد الحديث.

التمويل

إن تمويل مشروع سد مروي يعكس أهمية الاعتماد على الائتمانات السيادية الوطنية وكذلك أهمية الإئتمانات طويلة الأمد ما بين الدول. لم يحصل السودان على قرش واحد من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو الاتحاد الاوربي أو الولايات المتحدة الأمريكية ـ وربما هذا ما يفسر نجاح المشروع! لقد تم توفير ما قيمته 1.9 مليار دولار لتمويل المشروع بشكل رئيسي من قبل الحكومة السودانية (525 مليون) والحكومة الصينية (525 مليون). إن القروض الصينية للمشروع هي ذات فترة إعفاء مدتها 6-7 سنوات قبل أن يتم الدفع، ويمكن أن تمتد مدة الدفع لعشرين عام. أما بقية التمويل فقد جاء من الدول العربية المصدرة للنفط مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية وعمان وقطر.

إن حكومات الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي وغيرهما قد القت بترليونات الدولارات واليورو في محاولة إنقاذ نظام مالي ومصرفي مفلس والمضاربين الجشعين بدون أية فائدة للمجتمع. تخيل كم يمكننا أن ننجز في العالم باستخدام إئتمانات أقل لكن ائتمانات حكومية انتاجية موجهة نحو تنمية البنية التحتية الاقتصادية والبحث العلمي والتكنولوجيا!

خاتمة

والآن تخيل كيف ستبدو أفريقيا عليه لو تم وضع كامل القدرات الاقتصادية والتقنية للولايات المتحدة وأوربا خلف المئات من مثل هذه المشاريع في كل أنحاء القارة الافريقية!

تلك كانت رؤية الرئيس الأمريكي فرانكلن ديلانو روزفيلت في الاربعينات من القرن الماضي، وهي الآن رؤية لاروش والعاملين معه. إننا نناشد، من هذا المكان، إدارة الرئيس أوباما أولا وباقي الحكومات الأوربية أن تقوم برفض السياسات الاستعمارية السابقة، سياسة “تغيير الأنظمة” وسياسة النفاق المتمثلة “بفرض الديمقراطية” على الشعوب عبر تجويعها أو تدميرها بالغزو. إن عليكم اللجوء، بدلا من ذلك، إلى سياسة معاملة إيجابية عبر المساهمة في تحقيق السلام عبر التنمية في كل أرجاء القارة الأفريقية، وهو أمر سيكون في مصلحة كل الاطراف. إن هذه هي سياسة تدخل إنسانية مبنية على المبادئ المقدسة لمعاهدة سلام ويستفاليا التي أنقذت أوربا من الحروب الدينية الدموية الدائمية عام 1648. هذا الأمر يمكننا إنجازه اليوم إذا توفرت الإرادة والنية الخيرة واحترام قدسية حياة الانسان واحترام سيادة واستقلال الشعوب.

عرض الشروحات والخرائط
ختاما دعوني أعرض عليكم الخطوط العامة لفكرة لاروش لمثل هذه السياسة.
1، 2 (سد مروي و مشاريع الربط السودانية المصرية). هذا مجسم لسد مروي وتفرعاته.  ضع السودان الآن في السياق الأكبر لنظام عالمي بديل. سأعرض بعض الشروحات المصورة للبرنامج، والتي تم انتاجها على يد أعضاء من حركة شباب لاروش في الولايات المتحدة وتم عرضها من قبل زميلتي بورشيا تارومبا ستريد في مؤتمر معهد شيلر العالمي الذي انعقد في ألمانيا في فبراير من هذا العام.
3 الكثافة السكانية في مصر، 4 أفريقيا “القارة السوداء”، 5 الجسر القاري الاوراسيوي، 6 خطوط سكك الحديد الافريقية على النظام الاستعماري، 7 سكك الحديد الافريقية المقترحة، 8 مشاريع المياه الافريقية لجعل الصحراء تخضر، 9 أفريقيا “القارة المنيرة”.