حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2009/11/02

من فيرنادسكي إلى اقتصاد لاروش: الفكر الانساني كعامل جيولوجي كوني

مصنف تحت دراسات — 12:45 م

تعليق على مقالة
“بين نموذجي الاقتصاد الطبيعي والمالي”
للكاتب البحريني عبدالجليل النعيمي
المنشورة في صحيفة الوقت البحرينية يوم  2 نوفمبر 2009

http://www.nysol.se/Arabic/economy/AlwaqtonVernadsky.html

بقلم:
حسين العسكري
حركة لاروش العالمية، السويد

(الجزء الأول)

يثير الكاتب عبدالجليل النعيمي موضوعا ونقاشا طالما حلمنا بظهوره على صفحات الجرائد العربية ومواقع النقاش، ألا وهو الاقتصاد من منظور علمي وليس نقدي. وتقديرا منا واستغلالا لهذه المبادرة القيمة للكاتب النعيمي نمد سلسلة النقاش هذا بحلقات جديدة، أملا منا بأن يتوسع ويصبح دليلا لصانعي السياسات العرب في خضم الازمة المالية والاقتصادية الفتاكة التي يشهدها العالم عموما والعالم العربي خصوصا، وللخروج منها بسلام وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

وسأتوسع في هذا الموضوع أيضا بالنقد لما أراه بعض الأخطاء الشائعة في التحليل، وأيضا توضيحا لثلاثة نقاط أساسية تتعلق بموضوع الاقتصاد

وهذه النقاط هي:
1.علاقة الانسان بالطبيعة والبيئة.
2. منهج فيرنادسكي العلمي ونظرية “النووسفير”.
3. اقتصاد ليندون لاروش باعتباره الوريث الوحيد المتبقي اليوم من مدرسة “الاقتصاد الفيزيائي” (ودور الدولة الوطنية الحديثة في ذلك).

نبدأ باقتباس رئيسي من مقالة النعيمي حيث يقول في المقدمة:

“عندما يتحدث الاقتصاديون العلميون عن حتمية انهيار النظام النقدي والمالي العالمي الحالي تحضر في أذهانهم على الدوام مشكلتان رئيسيتان، تاريخيتان وحضاريتان في الوقت نفسه: النظرية النقدية كنموذج اقتصادي مالي، ونظرية ‘’النوسفير’’ حول شحة الموارد ومتطلبات حماية البيئة للمفكر الروسي الكبير فرنادسكي.”

مهم جدا وضع الفرق بين الاقتصاد النقدي المالي والاقتصاد “الطبيعي” على الطاولة باعتبارهما أمران مختلفان تماما والأول هو، أي النظرية النقدية، هي أصل العلة التي يعاني منها عالمنا اليوم.

ولكن  أولا، نختلف مع فكرة “موارد طبيعية شحيحة” إذا كان المقصود بالشحة باعتبارها حالة مطلقة وليست نسبية. فهذا المفهوم نسبي جدا ومرتبط ارتباطا كليا بالمستوى التقني والعلمي للمجتمع.

إن الخطأ الأكبر الذي يتم ارتكابه اليوم هو المزج ما بين نظام الحياة العضوي للانسان وارتباطه بالطبيعة (الايكولوجيا) وبين النظام الايكولوجي للحيوانات. فوفقا لنظرية توماس مالثوس البريطانية الاستعمارية لا يوجد فرق بين الاثنين، حيث أن تزايد أعداد الحيوانات أو البشر في بيئة حياتية ما يكون نموا هندسيا (أي 1، 2، 4، 16، إلخ) ويؤدي إلى استزاف الموارد الطبيعية (الغذاء مثلا) التي لا تتزايد إلا حسابيا (1، 2، 3، 4، 5…) وبالتالي وصول المجتمع إلى طريق مسدود وتعرضه لنقص الغذاء والمجاعة، ثم تتولى الطبيعة عملية التخلص من “الفائض” السكاني (بالموت). يصح هذا الأمر فقط بين البهائم، لكن الاكتشاف العلمي والتقدم التفني يمكن المجتمع الانساني من زيادة انتاجه من الغذاء ليتوافق مع الزيادة في عدد السكان (وأيضا البهائم الموجودة تحت رعايته). حل هذه المفارقة القاتلة لنظرية مالثوس تمثلت في مطالبة مالثوس بتحديد التقدم العلمي وتحديد النسل! وكانت الامبراطورية البريطانية قد طبقت هذه الأساليب بتفنن على شعوب مستعمراتها في الهند وأفريقيا.

على هذا فإن علاقة الانسان بالطبيعة وما يسمى الموارد الطبيعية مرتبط بشكل كامل بالمستوى العلمي والفكري والأخلاقي للمجتمع. ففي كل مرة يكتشف الانسان قانون فيزيائي كوني أو تقنية جديدة أو موارد جديدة لم تكن معروفة أو مدرجة في قائمة موارده السابقة يتغير تعريفه للموارد الطبيعية. استخدام الانسان للطاقة هو أحسن مثال على ذلك. فتعريف الانسان في العصر الحجري لموارد الطاقة كان محدودا بكمية الحطب الذي يستطيع جمعه وإحراقه. عندما اكتشف الانسان الفحم الحجري تغير العالم من حوله، وبعد ذلك باكتشاف واستغلال طاقة الرياح والمياه، تغيرت محدودية الموارد الطبيعية ومرة أخرى مع النفط والغاز الطبيعي ثم الطاقة الانشطارية النووية، أما بإدخال تقنية الدمج النووي فسيكون للانسان كمية غير محدودة نسبيا من الطاقة. وفي كل مرة تصبح الكمية أو الكتلة المستخدمة من قشرة الأرض لانتاج طاقة أعظم فأعظم، أصغر فأصغر، إذ يعطينا غرام من اليورانيوم ألاف المرات من الطاقة مما يعطيه النفط وملايين المرات مما يعطيه الفحم. مفارقة مثيرة!

نظرية فيرنادسكي النووسفير
الفكر الإنساني عامل جيولوجي ـ كيمياوي في الكون

نأخذ مثالا بسيطا: كوكب الأرض. هل الفكر الإنساني والإبداع العلمي جزء من عملية التغير الجيولوجي لكوكب الأرض؟ هذه الفكرة طرحها بشكل علمي دقيق لأول مرة عالم الجيولوجيا الروسي / الاوكرايني فلاديمير فيرنادسكي (1863-1945) في النصف الأول من القرن الماضي. وهي من الأفكار التي تقع في جوهر النظرية الاقتصادية السياسية لليندون لاروش. يقول لاروش أن لأفكار العالم الروسي فيرنادسكي الفضل في فتح أفق جديد في نظرية الارتقاء الطبيعي على كوكب الأرض، والتي تفند وتطيح بنظرية تشارلس داروين في ارتقاء الأنواع باعتبارها مجرد أنواع بيولوجية صرف كما يرتقي الإنسان من القرود إذ تعني نظرية داروين ان الإنسان ليس مخلوقاً مميزا وليس له كرامة خاصة، بل هو مجرد حيوان سياسي أو اجتماعي تسيره الغرائز الحيوانية. نظرية الارتقاء الطبيعي التي جاء بها فيرنادسكي تفترض تقسيم المكونات الطبيعية في الكون إلى ثلاثة أقسام أ ـ غير حية مثل الجمادات والمواد الكيمياوية والجيولوجية (الليتوسفير). ب ـ المكونات الحية وتشمل كافة الكائنات العضوية من نباتات وحيوانات وبكتيريا وغيرها الموجودة في “البيوسفير” أي المجال الحيوي. ج ـ المرتبة الأعلى فوق هاتين المرتبتين هو “النووسفير” (من كلمة نووس اليونانية وتعني الإدراك الانساني) أي المجال العقلي وفيه يوجد الإنسان المفكر القادر على اكتشاف قوانين الكون واستيعابها ونقلها إلى الآخرين وتحويلها إلى فعل فيزيائي في شكل وسائل إنتاج وتقنيات تغير من مستواه الحياتي وتغير محيطه وبيئته في نفس الوقت. أما مبدأ “الحياة” فهو وجود لا ينتج من التفاعلات الكيميائية والعضوية في الطبيعة كما يشاع في الجامعات اليوم، بل هو مبدأ موجود في الكون يبحث عن ظروف تأهله للظهور في شكل حيوي.

منذ مليارات السنين تقوم الكائنات الحية بامتصاص وتحويل المعادن والاملاح والمكونات الكيمياوية الأخرى في قشرة الأرض والغلاف الجوي إلى جزء من وجودها العضوي فيصبح القسم غير الحي من قشرة الأرض جزءا من عملية الحياة في الكائنات الحية. إن معظم مكامن المعادن والأملاح في قشرة الأرض كانت في يوم من الأيام جزءا من أجسام كائنات حية ركزتها ونقلتها وجمعتها في مكان ما من الأرض، فأكبر منجم فوسفات في العالم في مدينة خريبكة المغربية هو نتاج لتراكم عظام وأسنان الحيوانات البحرية التي كانت تسبح في يوم من الأيام فوق تلك المنطقة. ولا يزال يتم إخراج أسنان سمك قرش متحجرة وتم بيعها في شكل لوحات فنية للسياح في سوق خريبكة. بهذا تكون الكائنات الحية مهيمنة على ما هو غير حي وأعلى مرتبة منها في الوجود.

وينتج من هذه الفكرة أن عملية التغيير في الكون وفي غلاف الكرة الأرضية مر عبر مليارات السنين بعملية تطور موجهة نحو المزيد من التركيز والمزيد من التعقيد، وفي فترة ما اصبح الكون مهيئا لاستقبال الكائنات الحية الأكثر تعقيداً وأصبح مهيئا لاستقبال الإنسان. وبمجيء الإنسان إلى هذه البيئة ازدادت عملية التغيير تسارعا وتركيزاً حيث دخل عامل الفكر والاكتشاف العلمي والتكنولوجيا في عملية التغيير الطبيعي. لذلك، وبخلاف نظريات حركات حماية البيئية التي تعتبر الإنسان مجرد طفيلي مخرب، تعتبر هذه  النظرية أن التطور الاقتصادي الذي جاء به الإنسان ويغير فعلا من البيئة التي يعيش فيها ويجعلها اكثر ملائمة لوجوده هي عملية “طبيعية” بكل معنى الكلمة. فترك الطبيعة على حالها ليس أمرا طبيعيا. أما “التوازن البيئي” بين مكونات الطبيعة الذي يتحدث عنه البيئويون فلم ولن يوجد في الكون إطلاقا، فهو متجه منذ الأزل نحو المزيد من التغيير والتسارع والتعقيد.
فمثلا المجتمعات التي تعيش في مناطق صحراوية وتحاول أن تجلب المياه من أعماق الأرض أو تحلي مياه البحر لإحياء ارض ميتة وجعل البيئة اكثر ملائمة لأبنائها هي مجتمعات تساهم في عملية تطور هذه البيئة على كوكب الأرض. وهذه عملية تطور طبيعي حقيقية وليست دخيلة على الطبيعة كما هو شائع اليوم. لذلك فإن فكرة لاروش في بناء الجسر القاري الاوربي الاسيوي الافريقي وتعمير المساحات الهائلة غير المأهولة من كوكب الأرض مثل الصحاري الجرداء في أفريقيا والعالم العربي أو سيبيريا، هي جزء لا يتجزأ من رسالة الإنسان وسبب من أسباب وجوده سواء من الناحية الطبيعية أو من الناحية الفلسفية والدينية.

ليس فقط كوكب الأرض هو موطننا الأزلي، فبانطلاق الانسان المدرك نحو الفضاء ووصوله إلى القمر وكوكب المريخ قريبا (إذا تم اتباع نصائح لاروش) أصبحت المجموعة الشمسية كلها وطنا لنا. استيطان الفضاء لن يكون أمرا سهلا، لكن هذا بالضبط ما يحتاجه الانسان، تحديات كبرى تحفزه على الإبتكار والابداع لفتح آفاق جديدة. ويمكن أن يبدأ المشروع ببناء مستوطنات ومحطات انطلاق على سطح القمر أولا. كما يقول عالم الفضاء الألماني الراحل كرافت إيريكه في قوانينه الثلاثة: 1. ليس هنالك حدود في ظل القانون الطبيعي سوى تلك الحدود التي يضعها الانسان أمام نفسه. 2. ليس الأرض وحدها هي موطن الانسان بل كل المجموعة الشمسية وما وراءها هي حقل النشاط الطبيعي للانسان. 3. إن الإنسان بانطلاقه في الكون باستخدام قدراته العقلية الإبداعية والقانون الأخلاقي الراسخ في فطرته، يكون قد أدى رسالته القدرية كعنصر من عناصر الحياة.

علم اقتصاد لاروش

يختصر لاروش للتبسيط علم الاقتصاد الفيزيائي في جملة واحدة هي : “زيادة سلطان الإنسان في الطبيعة والكون”. يفتتح لاروش كتابه الأساسي في علم الاقتصاد الذي يتوفر الآن في ترجمة عربية كالآتي:

“إنَّ أول عملٍ مكتوبٍ في موضوعِ الاقتصاد هو كتابُ سِفرِ التكوين (في الكتاب المقدس). إذ يأتي البلاغ للإنسان في سفر التكوين بان لا يكسب عيشه إلا بكد عمله اليومي. كما يُأمَرُ الإنسان أن يكون مثمراً وان يتكاثر نسله ليملأ الأرض، وان يبسط سلطانه على جميع المخلوقات والأشياء في الطبيعة. نصيحة ممتازة. إن المجتمعات التي رفضت هذه النصيحة وخالفتها لم، ولن، يكتب لها البقاء طويلا.”

قد يشعر البعض أن هذا المفهوم لا يختلف عن مفهوم “الاستخلاف” في الإسلام كما يرد في القرآن الكريم. ليس هنالك أي اختلاف إطلاقا بين هذه الفكرة وفكرة الاستخلاف.

المشكلة التي تقود إلى سوء الفهم أو عدم الفهم في أمور الحياة الكبرى هي الفصل ما بين غرض حياة الإنسان والسياسة والاقتصاد والمعرفة. إن أهم المبادئ التي تبنى عليها الحضارة الإنسانية وفق منظور لاروش هي: أ) قدسية الإنسان واختلافه عن الحيوان. ب) قدرة الإنسان على الاكتشاف والتزود بالمعرفة. ج) تنظيم المجتمع على أساس المفهومين السابقين.

من أهم الشخصيات العلمية والفلسفية التي تأثر بها لاروش هو العالم الألماني جوتفريد فيلهيلم لايبنتز (1646ـ 1716) واضع حساب التفاضل. إن أهم ما توصل إليه لايبنتز في علم الاقتصاد هو العلاقة الوظيفية ما بين زيادة مقدار الطاقة التي يتم تزويدها للمكائن العاملة بالطاقة الحرارية وبين زيادةقدرة العامل على إنجاز العمل. ومن فحص تلك العلاقة الوظيفية توصل لايبنتز  إلى تعريف مفاهيم “الطاقةوالعمل والتكنولوجيا”في مجال علم الفيزياء. وتُكَوِّن دراسة هذه العلاقة الوظيفية بدءاً بموضوع المكائن المشتغلة بالطاقة الحرارية بالذات ومروراً بجميع خصائص العملية الإنتاجية، تُكَوِّن مادة موضوع “الاقتصاد الفيزيائي”. والاقتصاد الفيزيائي جزء لا يتجزأ من علم الفيزياء ككل؛ حيث أن دراسة الاقتصاد، حيثما تحكمت بها مبادئ الاقتصاد الفيزيائي، هي “علم الاقتصاد”.

لذلك سنريحكم (في الجزء الثاني من هذا التقرير) من التحدث عن الدرهم والدينار، لأن الاقتصاد هو جزء من علم الفيزياء والحضارة الانسانية عموما وليس عبدا للمال. النقد والدراهم والدنانير هي مجرد أدوات يتم انتاجها (أو ينبغي، من قبل حكومات الدول الوطنية ذات السيادة) واستخدامها من قبل بني البشر كتعبير رمزي تبادلي لقيمة تكمن في عملية انتاج الثروة المادية، ولا تحتوي تلك الأموال قيمة اقتصادية مستقلة بذاتها.

يضيف لاروش إلى عمل لايبنتز مبدأ جديدا، هو علاقة التقدم العلمي والتكنولوجي بمعدل ارتفاع أو انخفاض “الكثافة السكانية النسبية المحتملة”. الكثافة السكانية المحتملة هي تلك النسبة من السكان الذين يمكن إعالتهم إذا تم استخدام كامل الطاقة التقنية العلمية والصناعية الموجودة حاليا. مثلا سكان كوكب الأرض اليوم يزيدون قليلا عن ستة مليارات إنسان. لكن الطاقة السكانية المحتملة لكوكب الأرض اليوم إذا تم استغلال كامل سعة التكنولوجيا الموجودة اليوم في كل أرجاء الكوكب ينبغي أن تكون أكثر من ضعف عدد السكان الحالي على أقل تقدير. لكن توجه الاقتصاد العالمي في الثلاثين سنة الماضية من اقتصاد السوق والعولمة والمضاربات من أجل الربح المالي السريع، قد خفض في واقع الحال قدرة الانسانية مجتمعة على إعالة عدد سكانها الحالي إذا استمرت هذه السياسات الدارجة التي أوصلت العالم إلى هاوية الانهيار المالي والاقتصادي.

هكذا، يعني اتباع المعيار الذي أكتشفه لاروش في قياس مستوى الكثافة السكانية المحتملة، معرفة قدرة المجتمع الإنساني اليوم على البقاء والتكاثر خلال مدة لا تقل عن جيل (حوالي 25 عام)، وهي المدة المطلوبة من ولادة إنسان إلى تطوره إلى شخص بالغ متعلم قادر على المساهمة في تطوير المجتمع الإنساني والطبيعة والكون.

إن الحكومة، أية حكومة، لا شرعية لها إن لم تضع كأولى أولوياتها الاهتمام بالصالح العام لجميع أبناء شعبها. ويشمل ذلك توفير البيئة الاقتصادية التي تمكن جميع السكان من ولادتهم إلى سن التخرج من كسب أكبر قدر من المعرفة العلمية والثقافية والأدبية حتى يتمكن هذا الفرد من استخدام قدراته الخلاقة في المساهمة في تنمية وتطوير المجتمع.

كما أن مسؤولية المجتمع الدولي، باعتباره مكونا من دول قومية ذات سيادة، هو بناء نظام إئتمانات ونظام صرف عملات وتجارة مبني على تمكين العمل المشترك لتطور كل الأمم.

يطالب لاروش لعدة سنين ولا يزال بتأسيس نظام عالمي بديل عن النظام الحالي المفلس. وكان لاروش قد تنبأ بانهيار هذا النظام وقدم طرحا علميا للكيفية التي سينهار بها النظام قبل عدة سنين (يوجد شرح ذلك التوقع في تقارير أخرى ولا مجال لإيراده هنا). وفي خطاب ألقاه لاروش في مؤتمر “منتدى حوار الحضارات العالمي” المنعقد في جزيرة رودوس اليونانية في 10 أكتوبر المنصرم، دعى روسيا والصين والهند والولايات المتحدة إلى توحيد جهودهم لقلب نظام العولمة المفلس الحالي وتأسيس نظام اقتصادي ونقدي جديد مبني على أساس الإئتمانات الانتاجية وليس النظام النقدي الحالي. وما يعنيه لاروش بذلك هو أن تقوم الأمم بالاتفاق على نظام عملة بأسعار صرف ثابتة نسبيا لا تخضع للمضاربات الربوية وقيام تلك الأمم بإصدار إئتمانات رأسمالية سيادية موجهة نحو بناء البنى الاقتصادية الاساسية مثل النقل والطاقة والمياه والبحث العلمي ، بخلاف مايجري الآن في ظل نظام العولمة الاستعماري حيث تعمل البنوك المركزية المستقلة خادما لمصالح مالية خاصة متمركزة في لندن ونيويورك وتستخدم إصدارات العملة والإئتمانات الحكومية لأغراض مضاربية صرف لاعلاقة لها بتحسين الوضع الاقتصادي للشعوب، وهو الأمر الذي بلغ أوجه منذ اندلاع الأزمة الأخيرة المستمرة عام 2007 حيث دأبت الحكومات في الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي على طبع النقد لإنقاذ مؤسسات مالية ومصرفية خسرت معظم أموالها ورصيدها في لعبة المضاربات في الأوراق والمشتقات المالية التي لأساس لها في الواقع الفعلي لإقتصاد الأمم الذي يزداد انهيارا كل شهر وكل أسبوع.

فكرة لاروش بشكل مبسط، والتي يدعو الإدارة الامريكية إلى تبنيها لأنها الأساس الحقيقي للنظام الاقتصادي الامريكي الأصيل الذي أسسه أليكساندر هاملتون في القرن الثامن عشر، والتي تكمن في صلب الدستور الامريكي الذي ينص على أنه لا يمكن للدولة إصدار أية إئتمانات أو عملة أو ضمانات للبنوك الخاصة إذا لم يكن كل دولار فيها مرتبط بمشروع انتاجي في البنية التحتية أو الصناعية أو الزراعة. أما اليوم فإن بنك الاحتياط الفدرالي يطبع الدولارات ووزارة المالية تصدر السندات الحكومية بدون رصيد وبدون أن يوجه أي منها نحو مشاريع إعادة بناء الاقتصاد المتهالك كما فعل الرئيس فرانكلن روزفيلت في الثلاثينات.

ولكن حدثت تطورات جيدة في هذا الاتجاه في الأسابيع الماضية فقد تم اتخاذ أولى الخطوات نحو هذا النظام المأمول قام رئيسا وزراء الصين وروسيا في 12 اكتوبر بتوقيع مجوعة اتفاقيات اقتصادية هي الاكبر في تاريخ البلدين. وتتضمن الاتفاقيات التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار قيام الصين ببناء شبكة سكك حديد عالية السرعة في روسيا بتمويل صيني لمدة عشرين عام. كما قام الطرفان بالاتفاق على قيام روسيا ببناء مفاعلات نووية من طراز جديد في الصين وبناء ميناء بحري حديث في مدينة فلاديفوستوك الروسية ومشروع ثنائي لإرسال مركبات فضائية غير مأهولة لاستكشاف كوكب المريخ. وتسمح الاتفاقيات لأول مرة بتملك الصين حصصا في شركات روسية وخاصة شركات استخراج وتصنيع الثروات المعدنية الهائلة في روسيا وهو الامر الذي يعتبر حيويا جدا لتطور الصين الصناعي الآن وفي المستقبل.

وسيكون دور فكر فرنادسكي مهما في هذا المجال حيث تكمن كميات هائلة جدا من المواد الأولية الخام في شمال وشمال شرق روسيا تحت الجليد الدائمي مناطق سيبيريا، من شأنها أن تكون ذات أهمية قصوى للتطور الصناعي للصين والهند وباقي أمم آسيا. لكن هذه المناطق غير مأهولة تقريبا وتشبه الظروف المناخية فيها الظروف الموجودة على كواكب وأقمار أخرى. ولدى معهد فيرنادسيكي في موسكو الخبرة والمعرفة الدقيقة بكل تلك الموارد ونشأتها وتراكمها. هذا يعني بناء مجتمعات انسانية جديدة في تلك المناطق.

وسيكون لنا في الجزء الثاني من هذا التقرير، شرحا مفصلا لخطة “الواحة” التي اقترحها لاروش لتنمية منطقة الشرق الأوسط وشمال وشرق أفريقيا. ويمكن أن نسميها أيضا “استراتيجية فيرنادسكي” للتنمية.