بانكو سانتاندير وفقاعة البرازيل « حركة ليندون لاروش العالمية

حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2010/04/26

بانكو سانتاندير وفقاعة البرازيل

مصنف تحت مقالات — 10:18 م

 متلازمة مصرف سانتاندير: لعبة الاستغفال في مدينة أعمال لندن

بقلم: دينيس سمول

نشر هذا التقرير في عدد مجلة اكزكتف انتلجنس ريفيو الصادر في 19 فبراير 2010

ترجمة: هلا دقوري، مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية، سوريا

 

“إن عملية احتيال كبرى تحدد شكل العلاقات الدولية بما فيها علاقات روسيا بالولايات المتحدة الأمريكية التي لدي بعض المعرفة بدواخل الامور فيها”. هذا ما قاله ليندون لاروش أحد أعظم الاقتصاديين في العالم في السادس من شهر شباط الماضي.

 ووضح لاروش ذلك قائلا:”ما يحدث هو أنه قد تم دفع الروس للاعتقاد بأن هناك تجمع كبير للأموال الدولية التي تتركز في مؤسسات كمصرف سانتاندير؛ المصرف الاسباني الذي يخضع لسيطرة لندن؛ هذه المؤسسات التي ستصبح مصدراً للروس عندما ينجح البريطانيون وهؤلاء الأشخاص في دفع الولايات المتحدة نحو الانهيار. ولهذا السبب كنا نواجه بعض المقاومة من الروس بخصوص التعاون مع الولايات المتحدة في مشروعي حول القوى الأربع لاستخدام القوة الاقتصادية والسياسية معاً للولايات المتحدة والصين والهند وروسيا لاستبدال النظام النقدي الدولي الحالي المفلس بنظام ائتماني جديد لتعزيز التطور التقني عالي المستوى. لقد تم إقناعهم لتصديق عملية الاحتيال الجارية في مصرف سانتاندير ومؤسسات مماثلة أخرى ذات صلة تابعة للنظام الإمبريالي البريطاني لها عدد كبير جداً من المصادر التي يمكن أن تضمن وجود روسيا في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بالتفكك.”

 وأضاف لاروش: “طبعا أنا لا أوافق على ترك الأمور تسير في ذلك الاتجاه – كما تعلمون. ولذلك ومنذ أن علمت، ليس عن طريق الأرقام، وإنما عن طريق طبيعة الوضع، أن مصرف سانتاندير وامبراطوريته الممتدة إلى جنوب أمريكا وخاصة البرازيل وأماكن أخرى كان أحد أنواع الاحتيال العظيمة وبأن ليس هناك من أصول مادية حقيقية، أصول قابلة للحياة ومرتبطة بشبكة من المصارف التي تجتمع حول المصرف البريطاني الذي يتحدث الاسبانية والذي يدعى بمصرف سانتاندير. وهكذا فقد قمت بما هو واضح هذا الأسبوع.”

 ويشير لاروش هنا إلى تصريحاته التي ظهرت إلى العلن في الثاني من شهر شباط بأن هناك بوادر أزمة بالغة الذروة من خلال منطقة اليورو التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط البرازيل وتضرب روسيا وكل ما هو بينهما. “أنتم تعانون من أزمة في اليورو ستضرب بريطانيا والبرازيل كما هو واضح وكذلك اسبانيا وبقاع أخرى في الوقت نفسه. وعليه فتحذير الناس واجب. وهذا الأمر موضع تنفيذ. والحالة اليونانية ليس إلا حالة خسران يمكن أن تكون انهياراً لسلسلة من ردود الأفعال في نظام اليورو”، وفقاً لما قاله لاروش.

 هذا ما تظهره أرقام الديون. فعلى سبيل المثال، التعريض الكلي للمصارف الألمانية (أي انكشاف تلك المصارف أمام مخاطر بسبب حيازتها لديون تلك الدول) في كل منطقة اليورو يبلغ 540 مليار يورو إلا أن حصة اليونان لا تبلغ إلا 8 % من المجموع الكلي أو ما يقارب 43 مليار يورو. أما التعريض المصرفي الألماني لاسبانيا، من جهة أخرى، يبلغ 44 % من المجموع الكلي؛ أي ما يعادل 240 مليار يورو.

 وقال لاروش إن التجمع الأطلسي للأمم ينحو نحو انهيار كامل لنظام اليورو بأكمله توجهه بريطانيا. النظام بأكمله في انهيار. يتوقع أن تكون هناك موجة واسعة من الإفلاسات والتي يمكن أن تكون قد أدت إلى انهيار مصرف سانتاندير الذي بدأت وكالة فيتش التقديرية وغيرها من وكالات التقدير بخفض تصنيف ديونه في أوائل شهر شباط. بدأت هذه الأمور تظهر وتطفو على السطح لأن كل النظام المالي العالمي في هبوط.

 في عشية انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي في 11 شباط– والتي كان يفترض أن تواجه المشكلة بأجندة ترتكز إلى مطالبات بريطانية مكتوبة بإيجاد خطة إنقاذ للنظام المصرفي المفلس المتمركز في لندن من خلال إجراءات تقشف كبير جداً ومن خلال فرض ديكتاتورية فوق قومية* تبدأ من الأعلى  وتتماشى مع خطط إمبريالية – حذر لاروش الزعماء الأوروبيين قائلاً: “لا ترتكبوا خطأ الولايات المتحدة عندما قدمت خطة لإنقاذ وول ستريت. إن قمتم بذلك في أوروبة فإنكم ستكونون سبباً في غرقها لأنها أكثر هشاشة من الولايات المتحدة. إن على الدائنين الباحثين عن الربحية الكبيرة ـ كمصرف سانتاندير الاسباني المسير من لندن– أن يتحملوا أعباء الضربة. أما أي شيء آخر فسيؤدي في أوروبة إلى شكل أسوأ من الأزمات التي عهدناها في الولايات المتحدة.

 أي بريك؟*

ما فتأ أعداء لاروش المتمركزين في لندن والذين يعارضون مشروع القوى الأربع يواجهون سياسة لاروش من خلال ما روجوا له وسمي بتحالف بريك الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين.

 ”يعتقد الناس بأن حرف الباء يرمز للبرازيل،” قال لاروش، “ولكنني أعلمكم أن الأمر ليس كذلك. إنه يرمز لبريطانيا وسانتاندير هو جزء من الامبراطورية البريطانية وهو أداة لمشروع مالي وهمي بريطاني غير قائم على أسس صحيحة. وقد يكون على وشك الانفجار، وأن المناورات البريطانية الحالية هي جزء من محاولة انقاذه. وهذا ما دعاني لأتخذ تلك الخطوة”.

 في الحقيقة، إن لمصرف سانتاندير مشروع البريك الخاص به الذي يمر عبر مؤسسة مارسيلينو بوتين (Marcelino Botin Foundation)؛ المؤسسة الشخصية لعائلة بوتين التي شغلت مصرف سانتاندير منذ بدايته عام 1857. وبين عامي 2006-2009 أقامت المؤسسة التي رأسها المسؤول التنفيذي في سانتاندير إيميليو بوتين منتدى في مقر مؤسسة بوتين في مدريد – والذي ركز كل سنة على أحد أعضاء دول البريك – تم خلاله تنحية شخصيات قيادية من الحكومة ودوائر صنع السياسة عن النقاشات مع أعضاء المؤسسة والشخصيات الاسبانية وعما يجب أن تكون عليه التوجهات الاستراتيجية لكل بلد. وأول جلسة نقاش كانت عام 2006 وقد خصصت للصين في القرن الواحد والعشرين؛ وفي عام 2007 كان موضوعها الهند؛ أما عام 2008 فكان عام مناقشة “التعديلات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية التي يجب أن تقوم بها روسيا اليوم”؛ وفي عام 2009 اختتمت الدائرة بمنتدى حول دور البرازيل كأمة صاعدة إلى المسرح العالمي.

 وشدد لاروش على أن “النقطة التي يجب التركيز عليها هي أن لا يتم الخلط بين كتلة القوى الثلاث التابعة لروسيا والصين والهند وبين البريك. المشكلة تكمن في ذلك الطفيلي النقدي السمين الذي يتربع فوقهم جميعاً حاليا. مشكلتي تكمن في إنقاذ روسيا والصين والهند، وحتى البرازيل نفسها التي تتمتع بعلاقات مادية-اقتصادية مفيدة مع كتلة روسيا والصين والهند، من عملية الاحتيال البريطانية هذه”.

 * تشير مفردة “بريك” إلى المختصر الانجليزي (BRIC) وهي الحروف الاولى للبرازيل وروسيا والهند والصين كما تكتب بالحروف اللاتينية.

  

سانتاندير ورائحة الامبراطورية الكريهة:

 مع نهاية الأسبوع الذي بدأ بتحذيرات لاروش حول انفجار مصرف سانتاندير الوشيك، هبطت أسهم ذلك المصرف بما يزيد عن 10% ورافقتها تدهورات مماثلة في أسهم المصارف الإسبانية الأخرى وأسواق الأوراق المالية البرازيلية والأوروبية بشكل عام. وبشكل ساخر نقول إن انهيار سانتاندير بدأ في نفس اليوم (في الرابع من شهر شباط) حين أعلن المصرف عن نتائج عام 2009 المليئة بالجعجعة وأعلن عن أرباح دولية بلغت 8.943 مليار يورو؛ أي ما يعادل 12.43 مليار دولار أمريكي؛ أي بنسبة ارتفاع تعادل 1% عن عام 2008. ومصدرا أرباحه الأساسيان كانا البرازيل بنسبة 20% من المجموع الكلي والمملكة المتحدة بنسبة 16%. وفي كلتا الحالتين كانت هذه الأرباح ثابتة ثبات الرمال المتحركة.

 إذاً، ما هو مصرف سانتاندير؟ إن نمو سانتاندير السريع على مدى السنوات الأخيرة قد جعل منه المصرف رقم واحد في منطقة اليورو الذي يرتكز على رأسمالية السوق وقد تجاوز مؤخراً شركة هونغ كونغ وشانغهاي المصرفية الموجودة في لندن (HSBC) ويأتي تاسعاً عالمياً من حيث الضخامة. وهو أيضاً أكبر مجموعة مصرفية مفردة في أمريكا الجنوبية بنسبة 10% من الأصول المصرفية الإجمالية حيث يسيطر على منطقة يعد أكبر نشاط اقتصادي فيها هو تهريب المخدرات. وقد حصل سانتاندير أخير عام 2007 على موقع في النظام المصرفي البرازيلي المرغوب حيث يسيطر على 11% من أصوله حالياً.

 سانتاندير هو مصرف اسباني من النوع القديم. أنشأ عام 1857 من قبل إيميليو بوتين لوبيز وهو يدار اليوم من قبل أصغر أحفاد بوتين، إيميليو بوتين سانز دي ساوتولا إي غارسيا دي لوس ريوس الذي يصنف على أنه أغنى رجل في اسبانيا. إلا أن مصرف سانتاندير اليوم يدار من أوله إلى آخره من قبل مدينة لندن عبر مَلَكية المصرف المَلَكي في اسكوتلندة (RBS) والمؤسسات ذات الصلة، ومن قبل أصحاب نفوذ مالي من فينيسيا يرتبطون بشركة تأمين سيئة السمعة تدعى أسيكورازيوني جينيرالي Assicurazioni Generali التي أوصلت بينيتو موسوليني إلى السلطة في إيطاليا. بعبارة واحدة، سانتاندير هو أداة المصالح المالية الإقطاعية الإمبريالية القديمة.

 لقد كان لسانتاندير تحالف استراتيجي مع المصرف المَلَكي الاسكوتلندي (RBS) منذ عام 1988 أي بعد أن تولى إيميليو بوتين زمام الأمور في المصرف. ووفقاً لما أوردته EIR (Executive Intelligence Review) فإنه في 2 تموز 2004 في مقال “الامبراطورية تضرب من جديد: المصارف الاسبانية تعيد استعمار أمريكا الجنوبية” فقد تم اعتبار بوتين وسانتاندير موثوقان تماما من قبل المَلَكية البريطانية لدرجة أن المصرف الاسكوتلندي الملكي باع مصرف سانتاندير في أيار 2003 كل فروع أمريكا الجنوبية في الأقسام المصرفية العالمية الخاصة، كوتس وشركاه Coutts & Co وهو المصرف الشخصي للملكة.

 إن سانتاندير والمصرف الملكي الاسكوتلندي هما جزء من شبكة مصرفية عالمية أوسع تدعى بمجموعة إنتر ألفا (Inter-Alpha Group) التي تشبه الأخطبوط بتوسعها إلى شرق وغرب أوروبة وما وراءها.

  لبوتين علاقات وثيقة مع الملكية البريطانية ويرتبط بالارستقراطيين الماليين، بما يتعدى محور المصرف الملكي الاسكتلندي. فلبوتين على سبيل المثال علاقات متعددة الأوجه مع الرائد العماد جيرالد غروسفينور الدوق السادس لويست منستر أغنى رجل في بريطانيا – علاقات تجارية واجتماعية وغيرها – وهما يرتبطان ببعض الحسابات. وكذلك بأكبر مالك عقارات في المملكة المتحدة. فالدوق هو ابن عم الملكة إليزابيث الثانية وهو أحد أفضل أصدقاء الأمير تشارلز. وغروسفينور هو أيضاً عراب الأمير ويليامز وفقاً للمقال الذي نشر في 2 آذار عام 2008 من صحيفة أخبار نيويورك اليومية New York Daily News التي أوردت أيضاً أن غروسفينو كان زبوناً لخدمة البغاء ذات الدرجة الراقية نفسها التي يرعاها حاكم نيويورك إيليوت سبيتزر واستأجر أربع مومسات على مدى ستة أسابيع كاملة في أواخر عام 2006.

 ولكن العهر هو أقل هذه الأمور. إن رائحة الفساد الإمبريالي منتشرة في جميع أرجاء عالم الملكيين البريطانيين ومتملقيهم الأجانب.

 على سبيل المثال: كلا المليونيران بوتين وغروسفينور يملكان أراض إقطاعية عظيمة بالقرب من مدينة سيوداد ريال في منطقة كاستيلا لا مانشا في إسبانيا التي تبعد حوالي 100 ميل عن جنوب مدريد وهي منطقة محميات صيد خاصة. إن ملكية دوق ويستمنستر “لاغارغانتا” تبلغ 15.000 هيكتار أي ما يعادل 57 ميل مربع. وفي أحيان كثيرة يستضيف أكثر حفلات الأميرين ويليام وهاري سرية. أما ملكية بوتين القربية؛ إل كاستانو فهي لا تبعد أكثرمن 30 ميلاً عن أرض الدوق وتبلغ حوالي 11.000 هيكتار أي 42 ميلاً مربعاً. إجمالياً، هناك 7 مليون هيكتاراً (25 ألف ميل مربع) من الأراضي للصيد الخاص وتخص ملكيات في كاستيلا لا مانشا وفقاً لما ورد في موقع ElDigitalCastillaLaMancha.es في 13 أيار 2009- أي أكثر من 80% من منطقة الأراضي في إقليم كاستيلا لا مانشا ثالث أكبر إقليم في إسبانيا.

 هذا العالم ليس في متناول الجميع؛ فالقوة والمال والأرض كلها تمشي يداً بيد مع بعضها البعض. ومن يتحكم بالمجتمع الرفيع ذي النفوذ هم رجال الأعمال والمصرفيون والارستقراطيون، وهم طبقة يقيم معظم أفرادها في كاستيلا لامانشا، وفقاً لما نشرته الإصدارات الإلكترونية الاسبانية. “يمكنكم حضور مناسبات الصيد هذه عبر تلقيكم الدعوة حيث ينظم المالك حفلة الصيد التي تصبح مناسبة اجتماعية لعقد اللقاءات مع الشركاء أثناء التجوال والعمل. وهنا تصبح احتفالية الصيد ثانوية تماماً. وتجدر الإشارة إلى أن من الزوار الاعتياديون الذين يرتادون مناطق الصيد الريفية هو الملك الأسباني خوان كارلوس.

 استقبل بوتين في العزبة الخاصة به ضيفاً مختلفاً في 25 نيسان 2008 طبقاً لمعلومات وردت في الصحيفة اليومية الاسبانية إل باييس El País وشبكة أخبار بلومبيرج. ارتطمت طائرة صغيرة أثناء محاولتها الهبوط في مطار بوتين الخاص في أرضه ذلك اليوم متسببة في مقتل كلا الرجلين الذين كانا على متنها. ووفقاً للتقرير الوارد فإن الطائرة كانت تحمل 200 كيلو غراماً من الحشيش الآتي من المغرب (أو 200 كغ من الكوكائين، وفقاً للمعلومات). وقد اعتقل الرجل الذي كان يتنظر وصول الطائرة في شاحنة ثم تم تهريبه خارج البلد. وقد نفى متحدث لسانتاندير ومؤسسة مارسيلينو بوتين وكلاهما يرأسهما إيميليو بوتين أن يكون أيٌّ من أفراد عائلة بوتين متورطاً بهذا الموضوع.

 لم تكن تلك أول مرة يرد فيها اسم بوتين في شيء له صلة بتجارة المخدرات. ففي الخامس من شهر أيلول 2004 كتب الصحافي البريطاني المتمرس هاغ أوشوغنيسي أن اللجنة الفرعية الدائمة في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة المتخصصة بالتحقيقات أطلقت تحذيراً قوياً جداً للمصارف سانتاندير وإتش إس بي سي (HSBC) بسبب إجراءات تبييض الأموال الغامضة التي تقوم بها وبسبب تلقيها تحويلات برقية مريبة تتجاوز 35 مليون دولار من مهرب مخدرات في غينيا الاستوائية.

 بالإضافة إلى الصيد الارستقراطي – علاقة تجارية سياسية اجتماعية مركزية دأبت عليها المصالح البريطانية الامبريالية من زمان– فإن بوتين ودوق ويست مينستر تربطهما علاقات تتعلق بنشاطات تجارية أخرى. في تموز 2008 قامت مجموعة الدوق البريطانية غروسفينور التي تملك أصولاً عقارية تبلغ 26 مليار دولار – بما في ذلك أصول تعود للدوق نفسه – بالمتاجرة بأول عقود مشتقات مالية مرتبطة بعقارات  اسبانية واشتركت مع مصرف سانتاندير في تلك الصفقة المريبة. وكما أوضح مراسل رويترز في ذلك الوقت، فإن التبديلات التي تطرأ على الملكيات من شأنها أن تمكّن المستثمرين من الزيادة السريعة أو الانكشاف الوقائي للعقار دون أن يتوجب عليهم شراؤه أو بيع أجزاء منه من خلال صفقات مكلفة ومضيعة للوقت غالباً. 

 كانت مجموعة غروسفينور رائدة في هذا النوع من مشاريع المضاربة الوهمية في المملكة المتحدة في منتصف عام 2000 حيث انتشرت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وهونغ كونغ. وفي عام 2007 نشرت مجموعة غروسفينور نشاط المضاربة الجديد هذا في استراليا واليابان وإيطاليا وكل ذلك في منتصف المشروع المالي العالمي الوهمي الذي أطلق سريعاً من قبل الولايات المتحدة عبر حمى الرهونات العقارية.

 أما أهمية المشروع المشترك الاسباني لعام 2008 فتكمن في أنه شكَّل حاجة ملحة لبناء مشروع وهمي جديد في أعقاب انهيار المشاريع العقارية البريطانية والاسبانية الوهمية. ووفقاً لما ذكرته رويترز فإن مناصري سوق المشتقات المالية العقارية الأوروبية غير الخبيرة أيضاً يأملون بأن تشجع الأعمال التجارية بين غروسفينور وسانتاندير المستثمرين على التبادل العقاري ليساعدهم على تعويض الخسائر المحتملة من جراء التصحيحات الحادة في المملكة المتحدة وكذلك تلك التي طرأت على أسعار العقارات التجارية الإسبانية.

 في ذلك الوقت، عبّر غروسفينور وسانتاندير عن نواياهم بالمضي بقوة في مشتقات الملكية. وقد أصدر غروسفينور تقريراً حول المدير العالمي لمشتقات الملكية في سانتاندير العالمية للمصارف والأسواق أندرو فيلون الذي قال: “نحن نرى أن هذه الخطوة الأولى في غاية الأهمية في سوق المشتقات العقارية وهي إشارة هامة على أن هذه السوق ستتطور وستسير على نهج الأسواق الفرنسية والألمانية والبريطانية. نحن مسرورون للعمل مع شركة غروسفينور التي أبدت حرصاً على إتمام الاسثمارات العقارية الأساسية والدخول في سوق العقارات المصطنعة.

 ”سوق العقارات المصطنعة؟” أهي هذا النوع من الأصول الكاذبة التي تم استغفال الروس وغيرهم للمراهنة عليها استراتيجياً؟ الحقيقة أنه كلما أوغل المرء في هذا الأمر وجد سانتاندير يبدو مثل السمسرة المالية من مثال ما كانت شركة التأمين AIG تقوم به لأكثر أشكال المضاربة المالية الامبريالية البريطانية شدة.

 إذاً، لنتعمق قليلاً في هذا الأمر.

 استحواذات قذرة 

في اليوم الرابع من شهر شباط 2010 أي اليوم التالي لصدور التقرير السنوي لمصرف سانتاندير الذي صرح علانية عن أرباحه وحاول أن يدخل في جدل حول أن نسبة القروض عديمة الأداء – في وقت ارتفع فيه بنسبة 60 %؛ أي أن الارتفاع كان بين 2.04 % و 3.24 % خلال السنة – كانت أقل من المعدل الاسباني. وقد أعلن موقع الفاينانشال تايمز اللندني ft.com/alphaville عن الانخفاض الحاد في أسهم سانتاندير في ذلك اليوم وتساءل: “إذاً، ما الذي يمكن أن يكون قد سبب القلق للمساهمين؟” وقد أصاب أحد المشاركين في هذا الموقع كبد الحقيقة من خلال رد مقتضب. بشكل عام، يجب أن نكون متحفظين تجاه الشركات التي كان فيها نمو تقوده عمليات الاستحواذ وغير واثقين من الشخصيات التي تتعامل بالقروض عديمة الأداء”.

 إن كان هناك من مصرف برز عن طريق الاستحواذات الشائنة والأصول عديمة الأداء والأصول الكاذبة الموجودة بكثرة فهذا المصرف ليس إلا مصرف سانتاندير.

 في عام 1999 أعلن مصرف سانتاندير والمصرف المركزي الاسباني (BCH) دمجاً لأسهمهما وذلك لتشكيل مصرف سانتاندير الإسباني المركزي (BSCH). ولكن سرعان ما بدأت الاختلافات بالظهور وقام بوتين بإقصاء المدير التنفيذي للمصرف المركزي الاسباني (BCH) موزعاً رشاوٍ بلغت 164 مليون يورو لقاء طرده من العمل. واتهم بعدها بوتين باختلاس الأموال والإهمال الإداري، ولكن في عام 2005 برِّئ من كل هذه التهم. وفي وقت لاحق من هذه السنة قام مكتب المدعي العام بتبرئته من تهم منفصلة تتعلق بعمليات متاجرة داخلية غير قانونية    (insider trading).

 وبعد ذلك كان هناك حالة مصرف آمرو (ABN). ففي شهر تشرين الأول 2004 زايد مصرف سانتاندير وحليفه الاستراتيجي القديم رويال بانك اف سكوتلاند RBS والمصرف الهولندي – البلجيكي فورتيس على مصرف باركليز ومصارف كبرى أخرى وذلك من أجل الاستحواذ على المصرف الهولندي العملاق الخاسر. وكجزء من الصفقة اتجه فرع مصرف آمرو في البرازيل ومصرف ريال نحو سانتاندير. بهذه الحركة أصبح سانتاندير ثالث أكبر المصارف الخاصة في السوق البرازيلية الذي يتحكم بـ 11 % من أصول البلد – وكان هذا جائزة طالما حلموا بها.

 في جلسات الاستماع البرلمانية الهولندية التي جرت في 3 شباط 2010 اعترف ريجكمان غرونينك المدير التنفيذي السابق لمصرف آمرو ABN بأن اتحاد سانتاندير-RBS-فورتيس قد تصرف بشكل غريب جداً ولا مسؤول. “لم أستطع أن أتصور هذا”. ووفقاً لمراسل الداو جونز فإن غرونينك قال إنه لم يكن هناك إعلام للمصارف الثلاثة بشكل مسبق وإن السعر الذي طرحته هذه المصارف كان زهيداً جداً. كان الجهد المبذول محدوداً وكانوا قد أسندوا معظم المعلومات التي لديهم إلى الماضي. وحسبما قال غرونينك فإنهم لم يكن لديهم علم بما كانوا يقومون بشرائه.

 وأضاف غرونينك أن أحد الأطراف التي اندمجت مع باركليز كانت ستعطي فهماً أكبر: “من المرجح أن هذا التركيب لم يكن ليتطلب كمية أساسية من الدعم الحكومي. كان سيدخل الأزمة بأعلى حد من الملاءة. في تلك الحالة لم تكن الحكومة الهولندية لتنفق 30 مليار يورو على مصرف آمرو ABN – وذلك كان ما فعلوه – لتحرير الأصول من أجل فورتيس بما يتوافق ومصرفي سانتاندير وRBS.

 قال غرونينك إنه لم يكن عليه أن يتحمل مسؤولية الاستحواذ لأنه كان ضد هذه الفكرة. وحتى هذا اليوم يشعر بالندم لأنهم لم يكونوا قادرين على منع هذا الأمر. لقد أقر بأن ندمه جاء بعد ترتيبات الخروج بعشرات الملايين من اليوروات التي قدمها لهم مصرف سانتاندير ومصارف أخرى غيره.

 كان أحد المتحالفين مع سانتاندير الذي أصابه الإخفاق يقوم بالتعاون مع بيرني مادوف وبروابطه المعروفة بتبييض الأموال القذرة حيث خسر المصرف الإسباني ما ينوف عن 2 مليار يورو.

 ووفقاً لما أوردته الفاينانشال تايمز فإن سانتاندير قد جمّع أيضاً بعض أجزاء النظام المصرفي البريطاني المتهالك باستحواذاته التي تعود إلى مصرف آبي Abby Bank عام 2004 تليها استحواذات مصرفي آلايانس ولايسيستر Alliance & Leicester و برادفورد وبينغلي Alliance & Leicester عام 2008. وفي عام 2009 اندمجت جميع هذه المصارف تحت اسم سانتاندير مستفيدة من ترويج سانتاندير لنجم سائق الفورميولا واحد لويس هاميلتون شعبياً. ويقال إن سانتاندير يقوم في عام 2010 بتقديم عرض مزايدة لشراء 318 فرعاً معروضة للبيع من قبل حليفه الاستراتيجي المحاصر RBS، والذي تملك الدولة حالياً نسبة 84 % منه.

 مشروع “فقاعة البرازيل”  الوهمي (Bolha Brasil) 

إن تقرير سانتاندير السنوي لعام 2009 ملئ بالجداول البراقة التي صممت للتأثير على القارئ العادي وآخرين ممن يمارسون عملية الاستغفال. يظهر أحدهم تلك المصارف التي تحتل المراتب العشر الأولى في سلم الربحية بين عامي 2006  و2009 – وهنا يبدو جلياً أن مصرف سانتاندير انتقل من المرتبة السابعة إلى الثالثة في تلك الفترة – ولم يتفوق عليه السنة الماضية سوى مصرفين صينيين فقط هما ICBC و CCB اللذين لم يكونا على قائمة أفضل عشرة مصارف عام 2006. وحتى أن مصرف غولدمان ساكس سيئ السمعة احتل مرتبة أقل بقليل من مرتبة مصرف سانتاندير وفقاً لتقديرات أرباح عام 2009.

 وهكذا فبين عامي 2006 و2009 قفز مصرف سانتاندير قفزة تجاوز فيها مصرف سيتي بانك؛ مصرف أمريكا، ومصرف سانتاندير الإسباني المركزي HSBC و JP Morgan والمصرف الملكي الاسكوتلندي ومصرف الاتحاد السويسري الذي تم الإعلان عن أرباحه السنوية.

 يستخدم سانتاندير هذه الشخصيات ليقول إنه نجح هو وحده في تخطي المصاعب في خضم هذه الأزمة المالية العالمية.

 بالكاد!

 مع أن السوق الإسبانية ما تزال تعتمد على ما يقارب 30 % من أعمال سانتاندير التجارية، فأرباح عام 2009 جاءت في معظمها من سوقين ناميتين هما السوق البرازيلية وسوق المملكة المتحدة. وكانت البرازيل مصدراً لـ 20 % من أرباح سانتاندير المعلنة مرتفعة بذلك من 2.370 مليار دولار إلى 3.013 مليار دولار عام 2009 أي بمعدل زيادة بلغ 27 %. وطرحت المملكة المتحدة 16% من الأرباح الإجمالية مرتفعة بذلك من 1.550 مليار دولار إلى 2.402 مليار دولار في تلك الفترة؛ أي بزيادة قدرها 55%. وتجدر الإشارة إلى كلاً من سوقي سانتاندير لهما الأساس الهش نفسه.

 لنأخذ حالة البرازيل. ففي شهر تشرين الأول من عام 2007 اقترب سانتاندير من صفقة آمرو ANB التي أعطته أخيراً موقعاً أساسياً داخل نظام المصرف المرغوب في البرازيل التي تعتبر أكبر دولة في أمريكا الجنوبية من الناحيتين الاقتصادية والجغرافية. وكجزء من الصفقة فإن فرع آمرو ANB البرازيلي ومصرف ريال اتجها نحو سانتاندير جاعلين منه المصرف الخاص رقم 3 في النظام البرازيلي المصرفي.

 وقد شكل ذلك غطاءً للنشاط المتوتر الذي قام به سانتاندير من أجل بناء جمهورية سانتاندير في برازيل لولا وفقاً لمراسل بلومبيرج. وكما ذكرت EIR في ذلك الوقت فإن سانتاندير قد ضخ ما يقارب المليون دولار عام 2002 على حملة انتخابات لولا دا سيلفا الرئاسية، وحفظ بعد ذلك خطً مالياً تجارياً يبلغ الملياري دولار عندما توقفت المصارف الأجنبية عن إقراض البرازيل خوفاً من أن يفشل لولا في دفع ديون البلد.

 في أوائل عام 2007 نجح سانتاندير في دس اثنين من مدرائه التنفيذيين وهما ميغيل جورج وماريو توروس ليتوليا مناصب حساسة أحدهما كوزيرالتجارة البرازيلي والثاني كمدير السياسة المالية في المصرف المركزي على وجه التحديد. وعندما قابل الرئيس لولا دا سيلفا رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو في 17 أيلول 2007 في مدريد كان إيميليو بوتين رئيس مصرف سانتاندير حاضراً أيضاً وقام بعناق جورج بحرارة.

 يقال إن سانتاندير الآن يفكر في اقتناء مصرف سافرا وهو مصرف البرازيل التاسع الذي يملكه المصرفي سيئ الصيت إدموند سافرا. وهذا سيسمح لسانتاندير بأن يقفز من المركز السادس إلى الرابع في البرازيل وأن يمتلك 13% من الأصول المصرفية الإجمالية.

 كيف يحصل سانتاندير على أمواله في البرازيل؟ كما تحصل بقية المصارف على المال: من خلال الاستفادة من القنوات العامة عبر التجارة المحمولة (carry trade)* التي تنهب البرازيل حتى العظم.

 في سنة 2009 غمر الرأسمال الأجنبي المضارب عليه سوق الأوراق المالية البرازيلية (التي ارتفعت بنسبة 83 % خلال السنة) وسندات الخزينة التي وصلت إلى دفق صاف بلغ 80 مليار دولار بين آذار وتشرين الأول من عام 2009، بحسب أحد الاقتصاديين من شبكة جوبيلي الجنوبية في البرازيل. وكانت المصارف الدولية والمضاربون الآخرون يستدينون المال بنسبة فائدة بلغت 0% في الولايات المتحدة أوروبة واليابان، ثم كانوا يقومون باستثمار تلك الأموال في سندات حكومية برازيلية ذات معدل فائدة لا بأس به بلغ 8.75%.

 ولكن تلك لم تكن القصة الكاملة، فقيمة العملة البرازيلية الحقيقية كانت ترتفع بمعدل سنوي بلغ 27% عام 2009. ويعني ذلك بأن التجار المتنقلين الذين جلبوا الدولارات في كانون الثاني 2009 والتي وضعوها في كمبيالات الخزينة الحكومية تركوا البلاد في نهاية العام بنسبة دولارات بلغت 35.75%  وهي نسبة أعلى مما كانوا قد أدخلوه –أي أن النسبة تعادل 27% من ارتفاع قيمة العملة؛ أو أنها تعادل 8.75% من دفعات الفائدة. من أين أتى هامش الربح الكبير هذا؟ من الشعب البرازيلي الذي تم نهبه بلا هوادة عبر دفعات سندات الخزينة الحكومية.

 أما المشروع الوهمي البرازيلي والذي يدعى بـ “بولها برازيل” فلم يبدأ عام 2009. وحسب صحيفة أي آي آر (EIR) في عدد صدر عام 2004 فإن النظام المصرفي البرازيلي في حقيقة الأمر يعيش على دعم خزينة الحكومة. وقد ارتفع الدين البرازيلي العام بشكل سبب الذهول عام 2003 ليصل إلى 913 مليار ريال أي ما يعادل 311 مليار دولار أمريكي (وفقاً لأسعار الصرف آنذاك). هذا الدين العام يدفع أعلى نسبة فائدة حقيقية موجودة على وجه الكرة الأرضية.

 وحصلت المصارف البرازيلية على معظم أرباحها من النشاط التي قامت به آنذاك ومازالت. يبلغ الدين الإجمالي للقطاع العام البرازيلي 1.345 تريليون ريال برازيلي أي بنسبة 44% وهي أعلى مما كانت عليه في عام 2003. وبسبب ارتفاع القيمة الحقيقية للعملة فإن الدولار المعادل للدين العام قد ارتفع ارتفاعاً كبيرا ً من 311 مليار دولار وحتى 770 مليار دولار في نهاية عام 2009، أي ما يعادل نسبة 138% في ست سنوات.

 وما يبقى في خضم فضيحة المضاربة هذه مصرف سانتاندير.

 العقارات الخيالية في اسبانيا وبريطانيا

 مع دخول النظام المالي العالمي مرحلة نهائية من التفكك في النصف الثاني من عام 2007 توجهت المصالح المالية البريطانية نحو عمليات مصرف سانتاندير الموثوق لتكون أساساً لتقديم الدعم المالي لمدينة لندن. وفي نهاية عام 2007 أصدرت المصارف الاسبانية بما فيها مصرف سانتاندير بكثافة أوراقاً مالية لا سوق لها وتستند بشكل كبير إلى أصول عقارية حقيقية كانت تملكها وذلك لسبب وحيد وهو إيداعها في المصرف المركزي الأوروبي لمبادلتها بقروض جديدة وخاصة بعد أن أصدر المصرف المركزي الأوروبي تعليمات جديدة للضمان وأسهل من سابقاتها. وقد وصلت العملية إلى خطة منظمة من قبل المصرف المركزي الأوروبي لإنقاذ القطاع المصرفي الاسباني وعبره لإنقاذ حلفائه في الخارج. ولمعرفة لاروش بالعلاقة بين مجلس ويندسور وسانتاندير علّق في ذلك الوقت قائلاً: “إنهم ينقذون العائلة الملكية البريطانية”.

 المبالغ المدفوعة كانت أساسية، وقيل إنه في شهر كانون الأول من عام 2007 اقترضت المصارف الإسبانية 63 مليار يورو عبر تسهيلات قدمها المصرف المركزي الأوروبي. وفي آذار 2008 كتبت EIR: “منذ شهر أيلول سبتمبر الماضي كانت المصارف الإسبانية وحدها تمثل 9% من حجم إعادة التمويل المقدم من جانب المصرف المركزي الأوروبي في الوقت الذي كانت تشكل فيه 4-5% قبل ذلك الحين.  

 حصلت المصارف الاسبانية على 27.7 مليار يورو عبر ضخ السيولة من المصرف المركزي الأوروبي بين منتصف عام 2008 وأواخر 2009 وفقاً لجدول أصدره مراقب سانتاندير أي المصرف الملكي في اسكوتلندا. وقد وصلت السيولة التي تم ضخها 12.1% من إجمالي ضخ المصرف المركزي الأوروبي في منطقة اليورو. أما ألمانيا التي تبلغ ضعفي حجم اسبانيا فحصلت على نفس الكمية تقريباً تعادل 28.5 مليار يورو.

 يملك مصرف سانتاندير الكثير من الأصول السامة في العقارات وقطاعات أخرى وذلك لإغراق المصرف المركزي الأوروبي أو أي جهة آخرى لديها من الحماقة ما يكفي لشراء هذه الأصول. وأبعد من الرهونات العقارية، فإن أكبر مشروع وهمي هو في دين مطور العقارات الاسبانية الذي يبلغ اليوم ما يقارب 450 مليار دولار. إن مصرف سانتاندير هو أكثر المصارف انكشافاً وهو يملك ما يقارب 10% من الإجمالي. وفي أي مكان، يُعتقد أن تكون نسبة 50-70% من المشروع الوهمي لدين المطور الكلي التي تصل إلى 450 مليار دولار ديناً سيئاً. الحقيقة أن هذا المشروع الوهمي هو خارج نطاق السيطرة لدرجة أن رئيس جمعية الرهونات الاسبانية سانتوس غونثاليث أعلن حالة الإفلاس الحقيقية في هذا القطاع وذلك في خطاب ألقاه في المؤتمر الوطني الذي أقامته رابطة شركات التطوير العقاري الاسبانية في 26 كانون الثاني 2010: “القطاع الذي لا يأتي بالمال الكافي لدفع فوائد الديون إنما هو قطاع مفلس”.

 وقالت إحدى الشخصيات التي تمت استشارتها من قبل EIR إن نسبة الانهيار التي أصابت قطاع العقارات في اسبانيا لم تتجاوز 20% وأن الدرب أمام هذا القطاع ما تزال طويلة.

 في الواقع،إن القروض السيئة الكلية في النظام المصرف الاسباني في كانون الأول 2009 قد تضاعفت عما كانت عليه قبل سنة.

 إن قطاع تطوير الملكية والعقارات في إسبانيا على وشك أن يختفي تماماً وستختفي معه كل المصارف  التي تمتلك كل الأوراق المالية الفاسدة. ويتوقع المجلس القضائي الاسباني أن عمليات حبس الرهونات* التي بلغت 115.000سترتفع لتصل إلى ما يزيد عن 50% أي إلى 180.000 هذه السنة، وفقاً لأخبار بروبيرتي Property Wire وهي خدمة إخبارية عقارية، إضافة إلى أنه سيتوجب على المصارف أن تلغي ما يقارب 50% من قيمة أصولها من سجلاتها.

 وقال لاروش إن هذا يعتبر قلة تقدير من كلتا الناحيتين (أي تقديرات ازدياد عمليات حبس الرهونات من ناحية وتقديرات خفض قيمة أصول البنوك من ناحية أخرى).

 وكان على مصرف سانتاندير سابقاً في عام 2009 أن يزيد من تعويضات خسارة القروض بما يقارب 1.45 مليار دولار والتي جاءت من مبيعات الاكتتابات الأولية العامة (Initial Public Offering) لـ 16% من الفرع البرازيلية بمبلغ 2 مليار دولار. ويبدو أن مصرف سانتاندير يحضر بهدوء لانهيار أسوأ للأصول في عام 2010 وهو يدخل في حسبانه بيع 25% من ممتلكاته في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عبر طروحات اكتتاب مماثلة.

 بين عامي 2007-2009 توجه سانتاندير بشكل مباشر نحو السوق البريطانية وخاصة قطاع العقارات المفلس مستخدماً المصارف البريطانية التي اكتسبها حديثاً كقاعدة له وهي مصارف أبي Abbey وبرادفورد وبنغلي Bradford & Bingley وألايانس ولايسيستر Alliance & Leicester. وفي نهاية عام 2009 حصل سانتاندير على نصف الرهونات الجديدة التي أصدرتها االمملكة المتحدة حسب ما أوردته الغارديان اللندنية. وكانت حصة المصرف من الإقراض العظيم بما في ذلك إعادة الرهن تبلغ 20% من حصة السوق الإجمالية.

 وبشكل عام فإن لمصرف سانتاندير اليوم 1300 فرع في المملكة المتحدة وما يقارب 15% من سوق التجزئة المصرفية. وكان إيميليو بوتين قد صرح الشهر الفائت بأنه لا يرغب إلا في أن يجعل من سانتاندير مصرف بريطانيا الأول وفقاً لحصة وربحية وفعالية السوق.

 مثل جائزة الصيد هذه يفخر بها بوتين ورؤسائه حتى في الوقت الذي يؤول فيه نظامه المالي العالمي الكلي إلى النسيان، إلا أن متلازمة مصرف سانتاندير ليست إلا خدعة كبرى يجدر بالوطنيين في روسيا والصين والهند وأي مكان آخر بتجنبها.

 ـــــــــــ

* يشير مصطلح  (carry trade) إلى عملية الاتجار المالي التي يقوم فيه المتاجر بالاقتراض في سوق أو عملة بلد تكون نسبة الفائدة منخفضة فيها ليستثمر لتلك الاموال في سوق أخرى تكون الفائدة فيها مرتفع، مستفيدا من هامش الفرق بين نسب الفائدة بين البلدين أو السوقين. في شهر أبريل هذا العالم كانت نسبة الفائدة الرسمية في البرازيل 8.7% بينما في أسواق أوربا والولايات المتحدة تقارب الصفر!وكانت الفائدة البرازيلية في السنين الماضية تتراوح بين 20% في عام 2006  و 15% عام 2009.

 


* سلطة فوق قومية تعني أنها سلطة تفوق سلطة الحكومية الوطنية.

*  حبس الرهن يعني حرمان الراهن من حق استرجاع العقار المرهون.

مواضيع ذات صلة:

الامبراطورية المالية الاطلسية وليست اليونان على وشك الانهيار

قل لندن ولا تقل اليونان

جولدمان ساكس حارب نفوذ لاروش بفكرة بريك (BRIC)

جرائم مصرف جولدمان ساكس تفتح الباب لأفكار لاروش

تراجيديا يونانية: انهيار النظام المالي لم يتوقف