حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2010/04/28

تراجيديا يونانية: انهيار النظام المالي لم يتوقف

مصنف تحت مقالات — 11:39 ص

انهيار النظام المالي لم يتوقف، بل أدمغة المحللين الاقتصاديين هي التي توقفت

على عكس ما يهذي به مذيعوا الاخبار الاقتصادية في الفضائيات العربية عن “بدء تعافي الاقتصاد العالمي” (وهم في ذلك مجرد ببغاوات تكرر ما تذكره وسائل الاعلام البريطانية والامريكية من أجل استغفال المزيد من المواطنين والمسؤولين الحكوميين ليضعوا ما تبقى من اموالهم لسد الثغرات في الفقاعة المثقوبة في أكثر من مكان)، بقي عالم الاقتصاد الامريكي ليندون لاروش، الذي توقع وقوع هذه الأزمة قبل عشرة أعوام من حدوثها، يحذر من مغبة تصديق أكاذيب الاقتصاديين والمصرفيين والمضاربين الماليين عن قرب انفراج الأزمة. ويحذر لاروش من أن الأزمة هي أزمة نظامية، أي أن النظام المالي والنقدي برمته فاشل وهو قد مات وما ينبغي فعله هو دفنه واستبداله بنظام عملة وائتمانات جديد موجه نحو تطوير الاقتصاد الفيزيائي الحقيقي من بنية تحتية وصناعة وزراعة وطاقة وبحث علمي بدلا من نظام المضاربات وفقاعات المال والعقارات. وتبذل المؤسسات المالية الانجلوامريكية ووسائل إعلامها وعملائهما من السياسيين كالرئيس الامريكي باراك أوباما وفريقه الاقتصادي وحكومات الاتحاد الاوربي جهودا جبارة لانقاذ النظام الميت على حساب مصالح شعوبها (أي فرض إجراءات تقشف صارمة ووقف الاستثمارات في الاقتصاد الفيزيائي الفعلي وهو أمر يزيد من تسارع انهيار الاقتصاد وليس العكس). ولكن يقع كل يوم فتق جديد في بالون النظام ويهرع الجميع لرتقه بالمزيد من المال والنقد الذي أصبح لا قيمة له.

تراجيديا يونانية تنذر بنهاية اليورو

وآخر المستجدات الكبرى في هذا السياق هو انهيار جهود محاولة انقاذ الاقتصاد اليوناني (أو بالأحرى النظام الرسمي والعملة الاوربية) عن طريق ضخ المزيد من المال، أو صب المزيد من الزيت على النار.        

فنتيجة لحالة الفوضى التي خلقتها المحاولات اليائسة لفرض حزمة اجراءات لانقاذ اليونان، تكون الامبراطورية المالية البريطانية قد دفعت منطقة اليورو إلى حافة الهاوية.   

ففي يوم واحد هو 26 أبريل الجاري ارتفعت نسبة الفائدة على سندات الخزينة (قروض الدولة) اليونانية بنسبة 3% لتصل إلى 13% وفي اليوم التالي بنسبة 2% ليصبح الاجمالي 15%. وهذه هي أعلى نسبة فائدة على السندات الحكومية في العالم، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز اللندنية. وتنتشر العدوي الآن إلى باقي أقاليم اليورو حيث ارتفعت الفائدة على السندات البرتغالية التي مدتها عامين من 3.051% إلى 3.985%. ويحتوي تقرير فاينانشال تايمز على مخطط بياني مع التقرير يبين ارتفاع الفائدة على السندات اليونانية والبرتغالية وأيضا سعر اليورو مقابل الدولار ليس على مدى سنين أو شهور أو أسابيع ولا أيام، بل على مدى ساعات نهار يوم 26 أبريل. ولا تمكن مقارنة ذلك إلا بانهيار سعر عملة الرايخسمارك الالماني في عام 1923 حينما كان الرايخسمارك يفقد قيمته كل ساعة.

إن النظام العالمي لم يعد يحتمل عمليات شد تجاعيد الوجه بعد اليوم. ويؤذن هذا الامر بموجة جديدة من الانهيارات الزلزالية في النظام الاطلسي.

من الواضح أن القضية هي ليست تأخر الموافقة على صفقة انقاذ اليونان أم لا (حيث توجد معارضة في المانيا والنمسا وغيرهما ضد ضخ المزيد من المساعدات من اقتصادياتها المنهارة)، بل حتى وأن تم تمريرها فإنها لن تحل المشكلة الأساسية لأن البرتغال وإيرلندا وفوق كل شيء اسبانيا وبريطانيا ينتظرون خلف اليونان في الطابور أمام المقصلة.

ويذكر تقرير لوكالة بلومبيرج للاخبار أن أسعار الأوراق المالية المرتبطة بامكانية فشل البرتغال في تسديد الديون (credit default swaps) يتم تداولها بنسب أوطأ من تلك المتعلقة بلبنان وجواتيمالا. فبينما يبلغ حجم الدين العام للبرتغال 77% من الناتج الاجمالي المحلي، يبلغ حجم الدين الخاص 236%! ويمكن مقارنة ذلك الدين بمثيليه في إيطاليا 205% واليونان 195%. ولا يمسك البرتغاليون إلا بنسبة 17% من ذلك الدين العام، حيث تسيطر المؤسسات المالية والافراد الاجانب على معظم ذلك الدين. كما أن البلد لم يشهد أي نمو اقتصادي يذكر في الأعوام العشرة الماضية، أما بوادر النمو المستقبلي فمعدومة.    

وفي محاولة لإرغام وترهيب البرلمان الالماني لتمرير حصة ألمانيا المقدرة 8.5 مليار يورو التي تعتبر الجزء الأكبر من حزمة “مساعدة” اليونان التي تبلغ 45 مليار يورو، سيقوم المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان ورئيس البنك الاوربي المركزي جون كلود تريشيت بمخاطبة البندستاج الالماني شخصيا لحثهم على تمرير الصفقة. ويجدر التنبيه هنا إلى أن مصطلح “حزمة مساعدات” ليس قصدها مساعدة الامة اليونانية بل الدائنين العالميين الذين يمسكون بديون اليونان، مقابل أن تفرض الحكومة اليونانية إجراءات تقشف فتاكة ضد الشعب والاقتصاد اليوناني، وهو ما يرفضه الشعب اليوناني وقد يؤدي إلى انتفاضة شاملة تؤدي إلى إسقاط حكومة جورج باباندريو.  

وشبه لاروش يوم أمس خطة مساعدة اليونان لانقاذ نظام اليورو بمحاولة حفر ثقب في قاع القارب لإخراج الماء المتراكم في القارب في وسط البحر!

كان عليهم الاستماع للاروش

بدلا من كل هذا العذاب كان على القادة الاوربيين والإدارة الامريكية الانصات لصوت العقل ونصائح لاروش الذي اقترح من سنين إلغاء نظام اليورو والعودة إلى السيادة الوطنية الاقتصادية لكل دولة وعملتها ووضع نظام عملات ذات أسعار صرف ثابتة ومنع المضاربة على العملة أو أسعار فائدتها، وتوقيع اتفاقيات دولية لإصدار إئتمانات حكومية (state credit) بأسعار فائدة منخفضة جدا وطويلة الأمد وطنيا وعالميا لتمويل مشاريع البنية التحتية مثل وسائل النقل الحديثة كسكك الحديد فائقة السرعة والطاقة النووية ومشاريع المياه والزراعة والبحث العالمي وغزو الفضاء لتحفيز وإنقاذ الاقتصاد الفيزيائي الفعلي للأمم.

لكن عوضا عن ذلك قامت الحكومات الاوربية والادارة الامريكية بقتل الاقتصاد الفعلي ووفرت المال الرخيص للمؤسسات المالية والمصرفية لتغطية خسائرها الناتجة عن سنين طويلة من المضاربات في أوراق مالية وهمية ومشاريع عقارية وهمية. ويتبرز الآن كل يوم فضائح جديدة عن عمليات الاحتيال التي كانت تقوم بها البنوك العالمية لبيع المستثمرين والحكومات أوراق مالية زائفة لا قيمة لها، كما هي الحال مع فضيحة مصرف جولدمان ساكس، التي دفعت عددا كبيرا من أعضاء الكونجرس لمراجعة نصائح لاروش بضرورة التحقيق بحسابات تلك البنوك التي تحصل على مئات المليارات من أموال دافعي الضرائب لتغطية خسائرها بدعم من حكومتي بوش واوباما والكونجرس الامريكي.

كان لاروش قد دعى عند اندلاع الازمة عام 2007ـ2008 إلى إدخال جميع البنوك الامريكية في كرنتينة (حجر صحي) مالي وإجراء تحقيقات جنائية عبر الكونجرس على شاكلة تحقيقات لجنة بيكورا (Pecora Commission) في بداية عهد الرئيس روزفلت 1932 وبعد انهيار الاسواق المالية الامريكية في بداية الثلاثينات. ثم اقترح لاروش أن يتم تطبيق قانون جلاس ستيجال (Glass-Steagall) السابق بحقها، ويعني ذلك عزل الاوراق المالية التي لا قيمة أو علاقة لها بأي من النشاطات الاقتصادية الحقيقية وتجميدها أو إلغائها، وحماية تلك الالتزامات المالية فقط التي لها علاقة بالاقتصاد الانتاجي ومدخرات المواطنين. وبعد ثلاثة أعوام من فشل الكونجرس في اتباع نصائح لاروش، ينادي أعضاء في الكونجرس بنفس الشيء.

يمكن متابعة هذه التطورات عبر موقع لجنة لاروش للعمل السياسي.