الامبراطورية المالية الاطلسية وليست اليونان على وشك الانهيار « حركة ليندون لاروش العالمية

حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2010/05/03

الامبراطورية المالية الاطلسية وليست اليونان على وشك الانهيار

مصنف تحت مقالات — 1:51 م

اجتمع وزراء مالية دول الاتحاد الاوربي اليوم، 2 مايو، وأقروا حزمة انقاذ مالي لليونان قدرها 104 مليار يورو، ليتم تمريرها عبر صندوق النقد الدولي ومؤسسات الاتحاد الاوربي. في ذات الوقت كان المتظاهرون في شوارع اليونان يعلنون أنهم لن يتسامحوا مع الشروط الاجرامية القاتلة التي فرض على الحكومة اليونانية قبولها لإقرار حزمة الانقاذ. وتشمل هذه الشروط قطع الانفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم بنسبة 10% أو أكثر وخفض مرتبات الموظفين والمتقاعدين ورفع سن التقاعد وغيرها مما يؤدي إلى سحق الطبقة المتوسطة والاقتصاد عموما إلى أجل غير مسمى.

لكن الواقع هو أن ما حصل خلال عطلة نهاية الاسبوع مختلف تماما عما يتم بثه عبر وسائل الاعلام على جانبي المحيط الاطلسي. في الحقيقة، أن النظام المالي العالمي والامبراطورية البريطانية ومركزها في لندن وأتباعها وحلفاؤها في وول ستريت في أمريكا هي التي على وشك الانهيار، وليس الأمة اليونانية، وإفلاسها أصبح امرا واقعا منذ صيف عام 2007. لكن حزم الانقاذ من حكومات الولايات المتحدة واوربا هي التي أبقت هذه الجثة الهامدة في غرفة الانعاش. إن أزمات الافلاس السيادي لدول مثل اليونان والبرتغال واسبانيا وايرلندا وايطاليا (وقبلها دبي التي تعيش حاليا بحبل سري مالي من أبوظبي) هي مجرد أعراض الانحلال النهائي للعبة الامبراطورية البريطانية المالية ونظامها المصرفي.

وقد شدد ليندون لاروش اليوم على ضرورة نقل هذه الصورة عن الواقع الفعلي للوضع العالمي مرارا وتكرارا حتى يفهمها الجميع فهما جيدا. الامبراطورية البريطانية قد انتهت، كل عملية الاحتيال المسماة “الاتحاد النقدي الاوربي” قد انتهت، وهي لعبة فرضت على المانيا واروبا فرضا على يد مارجريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا سابقا، والعوبتها الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وأيضا الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش الأب، وذلك لمنع ألمانيا الموحدة عام 1989 من لعب دور ايجابي في باقي اوربا واوراسيا اقتصاديا عن طريق تكبيلها بصخرة العملة الاوربية وشروط المعاهدات الاوربية المرتبطة بها. واليوم تحاول لندن ابتزاز المانيا لدفعها لانقاذ العملة الاوربية، لكن هذا لن يحصل، وحتى وإن حاولوا فلن تنجح عملية الانقاذ على أية حال. إن لندن تحاول تدمير المانيا بينما بقية اوربا تنغمر في مستنقع الانهيار. وطالما بقيت فكرة أن الامبراطورية البريطانية هي التي تنهار غير مفهومة في أوساط السياسيين الاوربيين، فسيتم أرتكاب الاخطاء.

لا شيء ولا أحد بمقدوره انقاذ هذا النظام، لكن بمقدور النظام أن يجر الجميع معه نحو الهاوية. وهذا ما يجب وقفه.

حتى بعض رجالات المؤسسة السياسية الامريكية بدأوا يدركون بعض جوانب هذا الواقع. فمثلا كتب ديفيد اجناتيوس (عميل المخابرات المركزية الامريكية سي آي أي الذي أصبح كاتبا) مقالة مذعورة في صحيفة واشنطن بوست يوم الأحد يحذر فيها من أن عجز حكومة اليونان عن سداد ديونها، وهو أمر حتمي، قد يطلق عدوى وذعرا شبيها بما حصل في وول ستريت عندما انهار مصرف ليمان براذرز عام 2008. أما انتشار الأزمة إلى البرتغال واسبانيا ايرلندا وايطاليا فهو امر محتم أيضا، ونتيجة ذلك ستكون هناك هجمة مذعورة لسحب الودائع من البنوك الاوربية الحاملة لهذه الديون المسمومة. ويحذر اجناتيوس من أن تتحول أزمة الديون السيادية إلى أزمة مصرفية. أما صحيفة نيويورك تايمز فقد كانت أكثر دقة، حيث قدمت رسوما بيانية عن انكشاف جميع البنوك الاوربية الكبرى امام العجز عن سداد الديون السيادية (أي مقدار ما يحمله كل بنك من ديون هذه الدول) لدول جنوب اوربا. فعجز أي بلد سيؤدي إلى إحداث هزات زلزالية في باقي الدول، حسب وصف الصحيفة. ووفقا لتقرير نيويورك تايمز، المبني على إحداثيات من بنك التسويات العالمي (BIS) حول الديون السيادية المشتركة عبر حدود مجموعة الدول هذه، فإن الدول الخمسة لديها ما يساوي 3.9 ترليون دولار من الدولار لدى بعضها البعض، ولكنها أيضا مدينة بشكل أساسي لالمانيا وبريطانيا وفرنسا.             

إن ما جرى يوم الاحد هو ليس عملية انقاذ لليونان. هذه عملية انقاذ لنظام اليورو، حسب ما قاله ايريك فاين مدير إحدى صناديق التحوط لصحيفة تايمز. لكن في الواقع إن ما ينهار الآن قطعة فقطعة في ماراثون الافلاسات هو ليس نظام اليورو. إنها الامبراطورية البريطانية.

البديل للبقاء

لذلك، ليس هناك امل بالبقاء مالم يتم استبدال نظام الامبراطورية البريطانية النقدي، حسب رأي ليندون لاروش، بنظام سيادي من خلال تطبيق برنامج قانون جلاس ستيجال عالمي الذي يطالب لاروش بإعادة العمل به في الولايات بعد ان تم إلغاؤه عام 1999 في الكونجرس الامريكي لفتح الباب حينها أمام المصارف والمؤسسات المالية الأخرى للانخراط في المضاربات المالية العالمية بأموال المستثمرين والمودعين وكل ما وصلت إليه أيديهم وأيضا مكن هذه البنوك من إصدار الاوراق المالية الزائفة والمتاجرة بها.

وكان قانون جلاس ستيجال (Glass-Steagall) قد تم سنه في عام 1933 في عهد الرئيس فرانكلن روزفيلت كوسيلة لإعادة العمل بالنظام المصرفي الامريكي الأصلي وهو نظام أليكساندر هاملتون (Alexander Hamilton) المبني على أساس تحمل الدولة مسؤولية السيطرة على العملة والإئتمانات وتوجيهها نحو تطوير الاقتصاد الفيزيائي للأمة وليس جني الارباح لثلة من المصرفيين والتجار والمضاربين الذين دمروا اقتصاد الولايات المتحدة بالتعاون مع مصرفيي لندن في العشرينات من القرن الماضي وادخلوا الولايات المتحدة والعالم في الكساد العظيم. وكان قانون جلاس ستيجال قد فرق بين المصارف التجارية (commercial banks)  والشركات المالية أو المصارف الاستثمارية (investment banks) ووضع المصارف التجارية التي يودع فيها المواطنين اموالهم وتقرضها البنوك للافراد والشركات لنشاطات اقتصادية فعلية تحت حماية الدولة وضماناتهاوتعويضاتها، بينما لا تحضى الشركات المالية المضاربية بتلك الحماية لأن نشاطاتها مضاربية تخريبية. وقد وفر هذا القانون الاستقرار المالي والمصرفي للولايات المتحدة الذي مكن الرئيس روزفيلت من شن حملته الاعمارية الكبرى في ذلك العقد وأحيا اقتصاد الولايات المتحدة كأكبر وأقوى اقتصاد صناعي في العالم، وكل ذلك عن طريق إئتمانات حكومية طويلة الامد وبفائدة منخفضة موجهة نحو بناء مشاريع بنى تحتية عملاقة كالسدود وسكك الحديد والطرق وقنوات المياه والمستشفيات والمدارس وجلب الطاقة الكهربائية للريف الزراعي الامريكي.

وقد كان إلغاء ذلك القانون عام 1999 في الكونجرس بتحريض ودفع من وول ستريت وعميلها في إدارة كلنتون وزير المالية لاري سامرز ورئيس بنك الاحتياط الفدرالي الان جرينسبان، خيانة للولايات المتحدة وتراثها القومي الاقتصادي والسياسي الفريد، حسب رأي ليندون لاروش. واليوم يخدم سامرز كمستشار اقتصادي أول للرئيس باراك اوباما الذي يطالب لاروش بعزله هو أيضا.

ولكن اليوم تتعالى الأصوات في الكونجرس والشارع الامريكي بإعادة العمل بذلك القانون في ظل الانهيار المالي والاقتصادي الجاري وأيضا انكشاف النظام المصرفي الانجلوامريكي باعتباره عملية احتيال كبرى لم يشهد التاريخ لها مثيل.

ويقترح لاروش وضع جميع البنوك والمؤسسات المالية الامريكية تحت إجراءات افلاس حيث يتم التحقيق في جميع حساباتها وبحيث يتم عزل الاوراق المالية المضاربية الزائفة عن الأصول المالية ذات العلاقة بعمليات اقتصادية أو تجارية مشروعة. أما الزائف فيجب إلغاؤه أو تجميده إلى أجل غير مسمى، وأما الصالح فتتم المحافظة عليه وحمايته بضمانات من قبل الدولة لضمان عدم انهيار كل النظام المصرفي، عن طريق إزالة الورم السرطاني المضاربي. ولا يتم تعويض مالكي الاوراق المالية الزائفة إطلاقا حسب هذا القانون.

وهذا هو خلاف ما قامت به إدارتا الرئيسين بوش الابن واوباما وأيضا الحكومات الاوربية منذ اندلاع الازمة هذه عام 2007-2008 حيث عوضت المصارف والمؤسسات المالية عن جميع خسائرها في عمليات المضاربات المالية غير القانونية في الواقع. وقد كلف ذلك دافعي الضرائب الامريكيين والاوربيين والحكومات ترليونات من الدولارات لتعويض مضاربات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وحتى ذلك لم ينجح في انقاذ هذا النظام لأنه كان مفلسا ومتعفنا من الأساس.          

مواضيع ذات صلة:

 قل لندن ولا تقل اليونان

جولدمان ساكس حارب نفوذ لاروش بفكرة بريك (BRIC)

جرائم مصرف جولدمان ساكس تفتح الباب لأفكار لاروش

تراجيديا يونانية: انهيار النظام المالي لم يتوقف