حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2010/05/11

صندوق انقاذ اليورو لأنقاذ المصارف وليس الامم

مصنف تحت مقالات — 11:58 م

التقشف والفاشية نهاية الخطة

لا بد من كشف مجموعة أكاذيب تتداولها وسائل الاعلام حول صندوق الانقاذ الطارئ البالغ 700 مليار يورو الذي اتفق عليه قادة الاتحاد الاوربي يوم الاحد الماضي. الاولى هي أن الصندوق غرضه انقاذ اقتصاديات أمم اوربا المثقلة بالديون مثل اليونان والبرتغال واسبانيا. الحقيقة هي أن عملية طبع النقود غير المسبوقة هذه هدفها انقاذ مصارف الامبراطورية المالية البريطانية وبالذات مجموعة مصارف انتر ألفا ومؤسسها جاكوب روثتشايلد المثقلة بالديون والاوراق المالية الزائفة. في ذات الوقت سيتم خنق شعوب اوربا وامتصاص دمها لدفع هذه الاموال في صيغة عمليات تقشف لم تشهد اوربا لها مثيل منذ انهيار اقتصاد المانيا في عشرينات القرن الماضي بسبب شروط معاهدة فيرساي الظالمة. الاكذوبة الثانية هي أن عملية الانقاذ هذه ستنجح وأن عملية التضخم الفائق نتيدجة طبع النقود لن تقع بسبب دعم بنك مصرف الاحتياط الفدرالي الامريكي وإدارة اوباما لهذه الخطة. والأسوأ من هذا كله هو أن الشروط الجديدة لتسيير صندوق الانقاذ هذا من قبل المفوضية الاوربية والمصرف المركزي الاوربي سيسحب السيادة من أمم اوربا على اقتصادياتها ويضعها تحت سيطرة دكتاتورية بيروقراطية تعمل مع المصرفيين من مركز الاتحاد الاوربي في بروكسيل.

إن هذه الخطة هي نسخة مما تم فرضه على المانيا بعد الحرب العالمية الاولى لإجبارها على دفع تعويضات الحرب لبريطانيا وفرنسا بالدرجة الاساس، وذلك من خلال نهب الانتاج الصناعي والزراعي لالمانيا ووقف جميع الاستثمارات الجديدة في البنية التحتية والصناعة وغيرها. حينما بدأ الاقتصاد الالماني المسنزف بالتعثر في دفع المزيد من التعويضات بحلول عام 1922 لجأت الحكومة الالمانية إلى طبع عملة الرايخسمارك بشكل أدى الى انهيار قيمة العملة الالمانية في صيف وخريف عام 1923. تلك العملية أصبحت تعرف بالتضخم الفائق    (hyperinflation) حيث كانت قيمة الرايخسمارك تنهار كل ساعة من ساعات النهار بعض الاحيان امام الدولار من المئات إلى الالوف والملايين وحتى المليارات من الرايخسمارك مقابل الدولار الواحد في آخر المطاف.

واحتل الحلفاء منطقة الرور الصناعية لأخذ التعويضات عنوة. ثم جاء عميل لندن و وول ستريت يالمار شاخت (Hjalmar Schacht) رئيس المصرف المركزي الالماني بحزمة تقشفية شديدة جديدة بالاتفاق مع البريطانيين “لخفض العجز في الميزانية” مقابل إعادة الاستقرار للمارك. لكن سلسلة سياسات التقشف لم توقف انهيار الاقتصاد الالماني الحقيقي والمستوى المعيشي للشعب الالماني. ثم قدم شاخت “الحل النهائي” برفع الدكتاتور هتلر والحزب النازي عام 1933 إلى السلطة بدعم مالي من لندن ونيويورك، لأنه في مثل هذه الظروف تجد الاوليجاركية المالية الامبريالية أن الطريقة الوحيدة للسيطرة على الشعوب الرافضة لسياسات التقشف وانقاذ البنوك على حسابها هي الدكتاتورية. (شاهد الفلم الوثائقي التاريخي “جدار النار” من انتاج لجنة لاروش للعمل السياسي حول الموضوع على هذا الموقع ـ مترجم للعربية)

بطريقة مماثلة لمؤتمر فيرساي، تمت ممارسة ضغوط شديدة وكل أنواع التهديدات من قبل مدينة لندن للأعمال والمصرف المركزي الاوربي والمفوضية الاوربية والرئيس باراك اوباما على القادة الاوربيين وخاصة المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل لإجبارهم يوم الأحد الماضي على القبول بمبلغ الترليون دولار لصندوق انقاذ اليورو. ولعلها من سخرية الأقدار المكشوفة أن بريطانيا لن تساهم في الصندوق الذي يفترض به أن ينقذ امبراطوريتها إلا بمبلغ 19 مليار دولار ويشكل ذلك نسبة 2% فقط من الصندوق.

وستتشكل عملية الاحتيال الاوربية العظمى هذه من التالي:

1) توفير 60 مليار يورو فورا والتي ستأخذها مفوضية الاتحاد الاوربي من ميزانية الاتحاد الاوربي الموضوعة سابقا لأغراض محددة أخرى.

2) تأسيس صندوق ضمانات قروض بمقدار 440 مليار يورو تتم إدارته من قبل مؤسسة مستحدثة لهذه الغرض (Special Purpose Vehicle) والتي ستقترض اموالا بسعر فائدة السوق وبضمانة دول الاتحاد.

3) تهيئة 250 مليار يورو من خلال هيئة جديدة تابعة لصندوق النقد الدولي.

4) وضع إجرائين مزدوجين (وهنا تأتي الضربة القاضية) تحت رعاية المصرف المركزي الاوربي يمكنان المصرف من ضخ السيولة بلا حدود (طبع عملة اليورو) للمصارف الخاصة، وأيضا شراء السندات الحكومية للدول الأكثر مديونية في حال رفض السوق أو المصارف الخاصة شراءها.

5) جر خط إسناد من بنك الاحتياط الفدرالي الامريكي لمبادلة عملات (swap line) بالدولار لتوفير قروض بالدولار للمصارف المتعثرة في منطقة اليورو (يعني ذلك عملية طبع دولار أيضا).

ستترافق مع سياسة التضخم الفائق هذه عملية فرض سياسة تقشف مالي واقتصادي شديدة جدا على اليونان والبرتغال واسبانيا في البداية، لتتوسع تلك السياسة لتشمل باقي دول الاتحاد كما حذرت حركة لاروش من قبل، مما سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الفعلي والمستوى المعيشي لشعوب الاتحاد الاوربي التي ستتساقط الواحدة تلو الأخرى كأوراق الخريف. إن هذه الرزمة برمتها لن تنجح في جلب الاستقرار لأوربا وعملة اليورو بل العكس، يتقضي على المكونات الحقيقية للاقتصاد التي من شأنها أن تعين دول اوربا على إعادة اعمار اقتصادياتها.

وكما اوضح ليندون لاروش في مؤتمر لجنة لاروش للعمل السياسي في واشنطن يوم 8 مايو وتم بثه عبر الانترنيت: “كان الأجدر عدم وضع رزمة الانقاذ لليونان أساسا. كان المفترض وضع اليونان، ياعتبارها أمة ذات سيادة، في إجراءات إعادة تنظيم لوضعها المالي بنفسها، وتحت توجيه مصلحتها السيادية.”

ويقترح لاروش منذ مدة أن تعود الدول الاوربية ذات السيادة إلى عملاتها الوطنية وإلغاء نظام العملة الاوربية الموحدة حتى تتمكن كل أمة من رسم سياستها الاقتصادية والخروج من عبوديتها للمصارف الاروبية والبريطانية الخاصة والبيروقراطية فوق القومية في بروكسيل.

وشدد لاروش على ان النظام المالي للامبراطورية البريطانية، وخاصة مصارف مجموعة انتر الفا الواقعة في اسبانيا والبرتغال وايرلندا وبريطانيا مفلسة إلى درجة ميؤوس منها. وما حصل يوم الخميس الماضي بوم 6 مايو حينما انهارت سوق وول ستريت بنسبة 10% وأسواق العالم كلها تقريبا ماهو إلا دليل واضح على حالة الافلاس تلك. إنا ما نشاهده الان هو نهاية الامبراطورية المالية البريطانية.

ونصح لاروش الاوربيين بعدم المضي بعملية الانقاذ هذه بل تطبيق قانون جلاس ستيجال الذي تتم مناقشته في مجلس الشيوخ الامريكي حاليا، لتخليص الامم والمصارف الشرعية من عبء ديون المضاربات التي تثقل اقتصادياتها ونظامها المالي وإلغائها كليا حتى يتسنى إصدار ائتمانات حكومية جديدة لاستثمارها بشكل موجه في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة والزراعة والبحث العلمي لإعادة بناء الاقتصاد العالمي.

عدا ذلك فإن ما تقوم به الحكومات الاوربية وما قامت به إدارتا بوش واوباما في الأعوام الماضية ما هو إلا انتحار وطني عام وتسليم سيادة تلك الاوطان لثلة من المصرفيين المحتالين.

ومن الامثلة الدالة على الانتحار الاقتصادي هو ما أعلنته حكومتا اسبانيا والبرتغال في المؤتمر الطاريء للاتحاد الاوربي يوم 9 مايو، حيث وعد وزيرا خارجية البلدين بقطع ميزانية الانفاق الحكومي لبلديهما. فاسبانيا التي تعاني من أزمة بطالة تبلغ 20% وعدت بقطع 5 مليارات يورو من انفاق هذا العام وعشرة مليارات لكل من الأعوام القادمة. وقد وعدت وزيرة الاقتصاد الاسبانية، بعد حصولها على مباركة رئيس مصرف بانكو سانتاندير ايميليو بوتين، بتحويل هذه الوعود إلى أفعال. ويعتبر بانكو سانتاندير الاسباني أكبر مصرف في مجموعة انتر الفا الاوربية والأكثر تخمة بديون منطقة اليورو وبريطانيا والبرازيل. قد ارتفعت أسهم المصرف بنسبة 23% يوم الاثنين بعد الإعلان عن تأسيس صندوق الانقاذ لليورو.

وليس من المعروف أي النشطات الاقتصادية في اسبانيا ستتم التضحية بها، لكن ما قاله وزير المالية البرتغالي تشير إلى ذلك الاتجاه، حيث أكد وزير المالية البرتغالي فيرناندو دوس سانتوس أن نسبة 1.5% من الميزانية سيتم تحويلها وهي النسبة التي كانت مخصصة لمشاريع بنية تحتية عملاقة مثل مشروع خط القطار فائق السرعة (تي جي في) الذ كان مقررا بناؤه لربط العاصمة لشبونة باوربا عبر اسبانيا، بالإضافة إلى مشروع جسر عملاق. وكان نائب رئيس مصرف بانكو سانتاندير (فرع المملكة المتحدة) انتونيو هورتا اوسوريو قد طالب الاسبوع الماضي حكومة البرتغال صراحة بنسيان مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل القطار السريع ومشروع المطار الجديد من أجل سد العجز في الميزانية.

إن المصارف تطالب حكومات الدول بقطع اليد التي تطعم شعبها وتوفر لهم العمل الشريف، لتوفير حفنة من اليورو لتدفعها كفوائد للمصارف. هذه هي نفس السياسة التي اتبعها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأكثر من 30 عام ضد دول افريقيا والعالم النامي لوقف عملية الاعمار والتنمية فيها، وهي ذات السياسة التي تم من خلالها تدمير المانيا بعد الحرب العالمية الاولى وجرها نحو الدكتاتورية الفاشية والحرب. فهل ستسكت شعوب اوربا على هذه المهزلة التاريخية وهي تعيد نفسها؟

مواضيع ذات صلة:

ليست هناك “ازمة يونانية” بل اليورو قد فشل

الامبراطورية المالية الاطلسية وليست اليونان على وشك الانهيار

قل لندن ولا تقل اليونان

تراجيديا يونانية: انهيار النظام المالي لم يتوقف