حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2011/02/15

ثورة مصر: اللحظة التاريخية لعام 2011

Filed under: مقالات — 1:04 ص

ثورة مصر 

الفرصة التاريخية لعام 2011

هيلجا  لاروش (Helga Zepp-LaRouche)

رئيسة حزب حركة الحقوق المدنية والتضامن الألماني

BUESO.DE

رئيسة معهد شيلر العالمي

صدر هذا التصريح يوم 12 فبراير

 تتكشف اليوم فصول دراما غير مسبوقة على منصة المسرح العالمي: فالشعب المصري يحرر نفسه من نظام دكتاتوري من خلال حركة مشابهة لما جرى في ألمانيا الشرقية التي انهار على إثرها جدار برلين في عام 1989. إن وضع النظام المالي العالمي يشابه حقل ألغام حيث تؤدي أية خطوة خاطئة إلى تفجر سلسلة من التفاعلات مؤدية الى الانحلال التام للقطاع المالي والمصرفي بشكل مشابه لما حصل في القرن الرابع عشر. في ذات الوقت، اعترفت لجنة الرقابة الخاصة بالتحقيقات الداخلية في عمل صندوق النقد الدولي بالفشل التام لتلك المؤسسة، في وقت بدأ فيه المزيد والمزيد من الناس بإدراك الأهمية التاريخية لتقرير أنجليديس (*) باعتباره أول ردة فعل رسمية مسؤولة لأكبر أزمة مالية في تاريخ البشرية. إن استقالة مبارك والتطورات الدراماتيكية التي رافقتها في مصر، هي من الأدلة الجلية على حقيقة أن نظام العولمة بمجمله يمثل فشلا فضيعا.     

إن التطورات في مصر، بالترافق مع صدور تقرير انجليديس في الولايات المتحدة، تمنحنا بارقة امل بأنه لا تزال هناك امكانية لسحب الانسانية بعيدا عن حافة الهاوية!

حتى وإن لم يكن في نيتهم فعل ذلك، إلا أن جرينسبان وبيرنانكي (رئيسا مصرف الاحتياط الفدرالي الامريكي السابق والحالي) قد ساهما من خلال سياسة حزمة انقاذ النظام المالي التضخمية الفائقة، ورئيس صندوق النقد الدولي شتراوس كاهن من خلال شروط صندوقه سيئة الصيت ساهم هو أيضا في هذه التطورات الإيجابية في مصر!

إن تحقيقات مكتب التقييمات المستقل (في صندوق النقد الدولي) كشفت أن سياسات صندوق النقد مليئة بالأخطاء وسوء التقدير بناء على حيثيات وبديهيات مغلوطة أساسا في مجال الأزمة المالية العالمية. إلا أن هذه هي ليست المشكلة الوحيدة. إن سياسات صندوق النقد الدولي تجاه دول العالم النامية بالذات هي التي أدت إلى الكارثة. إن أحد الأسباب التي دفعت الغرب إلى أن يكتشف فجأة قبل ثلاثة أسابيع فقط أن مبارك “دكتاتور” بعد حكمه لمصر لمدة 30 عام، يكمن في أن مبارك كان يطبق حرفيا مجمل البرنامج الذي وصفه له صندوق النقد الدولي. وتضمن ذلك البرنامج خفض قيمة العملة المصرية، والخصخصة الشاملة للشركات والمؤسسات المملوكة للدولة. لقد وصل انصياع مبارك وحكومته لشروط الصندوق إلى درجة أنه وضع له حصة (كوتا) للخصخصة عليه تلبيتها في فترة زمنية معينة. أما المدراء والمالكين الجدد لتلك الشركات فلم يتوانوا عن طرد العمال وتقليص عدد العاملين وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى وصول البطالة إلى نسبة 30% وارتفاع مستوى الفقر.

لقد أجبر صندوق النقد الدولي مصر على إزالة التعرفة على الواردات الزراعية وتشجيع وزيادة الصادرات من الفواكه والخضروات والقطن من أجل الحصول على العملة الصعبة، مؤديا بذلك إلى جعل مصر غير قادرة على انتاج غذائها لسد حاجاتها الداخلية. لقد تم حرمان مصر من الائتمانات للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والصناعة. وتم عوضا عن ذلك تشجيع السياحة. حتى إلى قبل شهرين من استقالته كان نظام مبارك ينوي تطبيق مرحلة ثانية من برنامج صندوق النقد. كل هذا جعل الشباب يفقدون الامل بالمستقبل. لقد مرت أكثر من 30 عام لم يقم فيها أحد بتقديم حلم وطني ينطوي على مستقبل أفضل. تحت حكم مبارك، أهملت مصر حتى جيرانها الافريقيين.   

لكن مع ذلك هنالك أمل بأن الناس هناك لم يكن هدفهم فقط التخلص من مبارك بل أن الغالبية تريد استبدال كل ناحية من نواحي السياسات المرتبطة به وصندوق النقد الدولي، واستبدالها برؤية حقيقية جديدة لإعادة الاعمار. إن مصر ليست مجرد دولة أفريقية أو آسيوية، بل هي أيضا مهد للحضارات ومنها الاوربية، وإذا نجحت مصر في ذلك فإنها ستكون مصدر إلهام لكل القارة الافريقية والعالم العربي.

على أوربا أن تساعد مصر في إعادة بناء اقتصادها فعليا. إن مشاريعا مهمة مثل بناء مدن جديدة لتخفيف الضغط عن القاهرة وتوسيع الأراضي الصالحة للزراعة عبر مشاريع جديدة للري وحتى العمل على مشروع منخفض القطارة وبناء بنية تحتية حديثة وانتاج الطاقة النووية والصناعة الحديثة يجب أن توضع على أجندة الاعمال فورا، ويجب توفير الائتمانات المناسبة لتمويلها. والأهم من هذا كله هو إلقاء كل ما هو مرتبط بسياسات صندوق النقد الدولي في سلة القمامة.   

إن صندوق النقد الدولي، ولو كان تقرير لجنة التحقيق الداخلية فيه اعترفت بعجز أساليب عمل الصندوق ونظرياته، إلا أن الأمل في إصلاح هذه المؤسسة ضئيل جدا جدا. إن مدرائه والعاملين فيه هم جيش من النقديين المنغمسين في الليبرالية المحدثة الذين فشلوا حتى في فهم أبسط نواحي العولمة، وليس لديهم أدنى فكرة عن الاقتصاد الفيزيائي البشري. ربما هناك أمل في الابقاء على هذه المؤسسة إذا تم استبدال كل كادرها بأشخاص ذوي معرفة بالابتكار الصناعي والعلوم وخبراء في مصارف التوفير من المدرسة القديمة.  

إن وسائل الاعلام المالية والاقتصادية هي أيضا مخطئة تماما في تغطيتها لتقرير انجليديس حيث تتوقع أن لا يكون له أي تأثير يذكر على مجرى الأحداث. فبعد عشرة ايام فقط من صدور هذا التقرير ـ الذي يكشف بشجاعة تاريخ 30 عام الماضية وأسباب هذه الأزمة المالية ـ أصبح الكتاب الاقتصادي الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة وفي طريقه إلى ذلك في أنحاء أخرى من العالم. كل أستاذ جامعي أو طالب يأخذ نفسه مأخذ الجد وكل سياسي يريد أن يبقى في منصبه منهمكون الان في دراسة هذا التقرير الذي هو أكثر إثارة وشدا من أي مسلسل بوليسي تلفزيوني في كشفه الأشخاص المسؤولين عن الأزمة المالية.

إن هذا التقرير هو بمثابة قراءة إلزامية لأي شخص دمر مصدر رزقه أو تضرر بسبب إلغاء قانون جلاس ستيجال (**) وما تبعه من رفع للإجراءات المنظمة لنشاطات قطاع المال. ذات الامر ينطبق على الذين لازالوا معافين اقتصاديا بشكل نسبي لكن يدركون فكريا وأخلاقيا ان نظام العولمة هو ليس فقط يعرض حياة الملايين من البشر للخطر بل هو أيضا تهديد لنسيج مجتمعاتنا التي لم تتحرر بعد إلا جزئيا.  

يجب أن نقيم كل عضو من أعضاء برلماننا الفدرالي (الألماني) الآن وفقا لمدى تجاوبهم مع ما جاء في تقرير انجليديس، لأن هذا التقرير ليس فقط يعرض عبر صفحاته الستمئة بلا تهاون الأساليب الاجرامية للمصرفيين وأصحاب صناديق التحوط، بل ولأنه لا توجد لجنة تحقيق هنا في ألمانيا أو أي بلد آخر من بلدان اوربا مماثلة للجنة انجليديس. كان هذا هو سبب قيامنا في حزب حركة الحقوق المدنية والتضامن (BUESO) بإطلاق حملة تدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق هنا في ألمانيا من أجل كشف النشاطات الاجرامية المرتبطة بالأزمة المالية. لكن الرد الوحيد الذي تلقينها لحد الآن من ممثلي شعبنا في البرلمان هو أنه لا توجد هناك أسباب كافية للشك.  

على كل المواطنين الالمان أن يسلحوا انفسهم بهذا التقرير الذي ستصدر طبعة منه بالألمانية قريبا، وعليهم أن يزوروا ممثليهم في البرلمان والولايات وعمدة مدينتهم وأعضاء مجالسهم البلدية وأن يطالبوهم بأن يتم استخدام الاكتشافات الواردة في التقرير لمعالجة الوضع هنا أيضا. إن أعدادا كبيرة من رؤوساء الشركات الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا ومئات من حكومات المدن والبلديات قد رفعوا دعاوى ضد مصارف معينة كانت قد باعتهم أوراق رهان على اسعار الفائدة في وقت كانت تلك المصارف تعلم علم اليقين أن عملائها سيخسرون أموالهم، وكانت هذه المصارف تبلغ العاملين فيها أن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على الأموال من العملاء.

لذلك وبدلا من الانشغال في النقاشات السياسية السطحية علينا أن نتخلص كليا من هذا النظام اللاانساني الذي هو ببساطة نتيجة لذات الممارسات المالية التي يدينها تقرير أنجليديس. وإذا تم إلغاء جميع الإجراءات الخاصة برفع القيود القانونية عن الأسواق المالية، أي إذا أعدنا العمل بمعيار جلاس ستيجال، وتم السماح للبنوك التجارية بإصدار الائتمانات لخلق فرص العمل الانتاجية فإن كل النقاشات السطحية الأخرى التي ينشغل بها السياسيون عن البطالة ستكون بلا معنى.    

تحديد أسعار الغذاء

علينا التحرك بسرعة لأنه في غضون أسابيع قد تكون لدينا حالة تساقط قطع الدومينو من حالات إفلاس الدول في منطقة اليورو. لقد أجلت الحكومة الايرلندية مدفوعات للبنوك الايرلندية بقيمة 10 مليارات يورو، في انتظار نتيجة الانتخابات الجديدة المزمع إجراؤها في يوم 25 من فبراير الحالي، وبإمكننا أن نتوقع أن الحكومة المقبلة سترفض تطبيق الاتفاقية الانتحارية المبرمة سابقا مع ترويكا مشكلة من المفوضية الاوربية والمصرف المركزي الاوربي وصندوق النقد الدولي. كما لن يكون بمقدور البرتغال الاستمرار في دفع نسبة فائدة 7% على السندات الحكومية. وإذا انهارت البرتغال فإنها ستجر معها اسبانيا.   

إن استقالة أكسل ويبر المثيرة من منصبه في المصرف المركزي الالماني وإعلانه عن ترشحه لخلافة جان كلود تريشيت (رئيس المصرف المركزي الاوربي)، بالإضافة إلى قيام كبير اقتصاديي البنك المركزي الاروبي يورجين شتارك بالتحذير من المخاطر المنطوية في إعصار جديد من حزم الانقاذ الهائلة للبنوك، كلها أجراس إنذار لا ريب فيها تؤشر إلى أن بعض الناس على الأقل قد بدأوا يدركون خطر كارثة تضخم فائق قادمة.    

إن نقطة الانعطاف يجب أن تكون كالتالي: لماذا علينا الاستمرار ولو ليوم واحد بعد صدور تقرير انجليديس في هذه السياسة المشينة لإنقاذ حكومات الدول الاوربية المفلسة، خاصة وأن هذه الممارسة ستؤدي فقط إلى الطلب من دافع الضرائب الالماني بالتقدم بالمزيد من الأموال، مما يؤدي حتما إلى إشعال نار التضخم الفائق؟

علينا أن ننطلق من الافتراض بأن نتيجة موجة الجفاف الكبرى في شمال غرب الصين العام الماضي والمضاربات الجنونية على المنتجات الزراعية ستكون تضخم أسعار الأغذية نحو مستويات أسوأ مما هي عليها الان. بما أن هذا الأمر سيؤدي إلى ثورات جياع في أكثر من 80 بلد ـ كما حذرت من ذلك الامم المتحدة ـ وبما أن هذا سيؤثر سلبا على أية تشكيلة حكومية جديدة في مصر، فإن من العاجل والملح أن يتم اتخاذ إجراءات معينة.

على هذا الأساس يدعو حزب حركة الحقوق المدنية والتضامن إلى فرض فوري لسياسة تحديد أسعار الغذاء عالميا.

يجل تجميد الأسعار عن حدود دنيا، إلى أن يأتي وقت يصبح فيه القطاع المنتج من الاقتصاد هو الغالب (وليس القطاع المالي) عبر وسائل إصلاح شاملة للنظام المالي العالمي عبر نظام مزدوج للمصارف (إئتمانات بفائدة منخفضة للنشاطات الانتاجية وفائدة مرتفعة للعمليات المالية غير الانتاجية)، وإعادة إحياء الاقتصاد الحقيقي عبر مشاريع بنية تحتية مثل الجسر القاري العالمي (***).

إنضموا إلى حملة حزب حركة الحقوق المدنية والتضامن لإنقاذ الأمة وكل الحضارة الانسانية.

تحلوا بالشجاعة! إننا قادرون على الانتصار!

زوروا موقعنا في ألمانيا (www.bueso.de)

 

*  لجنة أنجليديس واسمها الرسمي لجنة التحقيق في الأزمة المالية (FCIC) تم تشكيلها بتفويض من الكونجرس الامريكي في مايو 2009 ويترأسها الديمقراطي فيل أنجليديس (Phil Angelides). وأصدرت اللجنة تقريرها في وسط شهر يناير الماضي.  وقد عرضت لجنة لاروش للعمل السياسي في الولايات المتحدة فلما تسجيليا عن التقرير وكيف أنه يثبت كل ما حذر منه أو دعى إليه عالم الاقتصاد الامريكي ليندون لاروش على مدى 30 عام. يمكن مشاهدة الفلم على الرابط التالي:

http://larouchepac.com/fcic-report-moral-test

 

** للمزيد عن قانون جلاس ستيجال إقرأ التعريف التالي هنا:

http://arabic.larouchepub.com/2010/05/03/254

 

 *** توجد دراسات عديدة على موقعنا العربي حول الجسر القاري العالمي ومنها:

http://arabic.larouchepub.com/wp-content/uploads/2010/05/salam-westphalia.pdf