توني بيحب معمر، قصة حب امبريالية « حركة ليندون لاروش العالمية

حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2011/04/06

توني بيحب معمر، قصة حب امبريالية

مصنف تحت مقالات — 10:58 م

توني بيحب معمر
قصة حب امبريالية
ابطالها: توني ومعمر وبندر والليدي سيمونز وسيف الاسلام
صدر هذا المقال في مجلة اجزكتف انتلجنس ريفيو في 11 مارس 2011
الكتاب: جيفري ستاينبيرج وسكوت تومبسون
تمت ترجمته بتصرف محرري الموقع العربي لحركة لاروش

[تنبيه للقراء العرب: هذه المقالة ليست فضيحة انظمة سابقة، بل مثال على السيطرة شبه المطلقة لمدينة أعمال لندن مركز الامبراطورية الانجلوامريكية الحالية على التطورات السياسية والاقتصادية خاصة في العالم العربي في العقود الأربعة الأخيرة. هذا مجرد مثال على قصة لم تنتهي بعد وعلى الشعوب العربية الثائرة أن تنتبه لها حتى لا يصبح ثوار اليوم عملاء لبريطانيا غدا. إن العديد من زمرة القذافي الذين انقلبوا عليه موجودون في بريطانيا ويأتمرون بإمرة حكومتها الحالية، التي لا تختلف عن الحكومة السابقة، فهي مجرد أداة لتصريف شؤون الامبراطورية وحينما تنتهي مدة صلاحيتها تغير. صحيح أن ذلك يحصل في انتخابات لكن الشعب البريطاني لا يستطيع سوى الاختيار بين مرشحين تابعين لنفس الامبراطورية لكن بيافطات مختلفة. إن الثورات العربية , وهي ثورات شعبية حقيقية ذات مطالب مشروعة، أو ما نسميه الإضراب العام الذي اندلع في الدول العربية قد أخذ الامبراطورية على حين غرة وهي مرتبكة الآن ومفلسة بسبب الازمة المالية العالمية. لا تنسوا أنهم كانوا يعدون سيف الاسلام القذافي ويدربونه في لندن لخلافة أبيه (كما سيتضح من هذا المقال)، مثلما كانت الحال مع جمال مبارك ربيب لندن. لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن شركة الهند الشرقية البريطانية. إن غرض هذا المقال هو تنبيه الثوار وتفويت الفرصة على الامبراطورية أن تعيد ترتيب اوراقها قبل أن تلتهمها نيران الانهيار المالي والمصرفي الذي يجتاح اوربا والولايات المتحدة. طبعا بقاء شعوب تلك الامم وامم العالم الأخرى سيعتمد على البديل الذي وضعته حركة لاروش لبناء نظام عالمي عادل ولاامبريالي جديد يحترم سيادة الامم والشعوب ليخلف هذه الامبراطورية المتعفنة. ـ محررو الموقع العربي]

منذ توليه منصب رئيس الوزراء في مايو 1997 قام توني بلير بالتواطؤ مع كبار مسؤولي المخابرات البريطانية الخارجية (MI6) واللورد جاكوب روثشايلد والبارونة اليزابيث سيمونز وأعضاء بارزون في الأسرة الملكية البريطانية، بالترويج لعلاقات أفضل مع معمر القذافي ورعاية العلاقات المتنامية الاقتصادية منها والسياسية بين ليبيا وبريطانيا إلى اللحظة الحالية حيث يعيش دكتاتور ليبيا أياما مشابهة لأيام هتلر الأخيرة في قبوه.
وفقا للوثائق الرسمية البريطانية كان السير مارك ألين (Mark Allen) رئيس شعبة شمال افريقيا والشرق الاوسط في المخابرات البريطانية هو القناة السرية لفتح الحوار مع القذافي. مباشرة بعد الغزو الانجلوامريكي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين، بدأ فتح محادثات سرية مع مبعوثين للقذافي من أجل الاتفاق على تخلي نظام ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته مقابل تطبيع كامل للعلاقات مع بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية.

في ديسمبر عام 2003 عقد اجتماع في ترافيلرز كلوب (Travellers Club) في لندن وجمع الدبلوماسي البريطاني سير نايجل شاينوالد (Sir Nigel Sheinwald) ومارك الين من المخابرات وخبراء في نزع السلاح من بريطانيا والولايات المتحدة وهم وليام ايرمان وديفيد لاندزمان وستيفين كابيس وروبيرت جوزيف، مع مسؤولي المخابرات الليبية موسى كوسا وعبدالله العبيدي.
بعد اسبوعين من انعقاد هذا الاجتماع أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الامريكي جورج بوش بفخر أن القذافي سيسمح لمفتشي اسلحة الدمار الشامل بدخول ليبيا وأنه سيتخلى عن برنامجه التسليحي. تم مدح القرار الليبي بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل باعتباره انجازا عظيما ناتجا بشكل مباشر من غزو العراق.
ولأن هذا القرار الليبي قد جاء في وقت كانت المقاومة المسلحة للاحتلال الانجلوامريكي في العراق قد بلغت اوجها، فإنه وفر دفعة دعائية مهمة كان بلير وبوش في امس الحاجة إليها لأنهما كانا معرضين لهجمات سياسية وشعبية كبيرة بسبب الاحتلال غير القانوني للعراق، خاصة بعد انكشاف حقيقة أن صدام حسين كان قد تخلى عن برامجه لانتاج أسلحة دمار شمال قبل عدة سنين، وأن الترويج للحرب جاء على أساس معلومات مزيفة.
كذبة بلير وبوش
لكن الحقيقة كانت مغايرة تماما للواقع وأكثر بشاعة مما كانت دعاية بوش وبلير تدعي. في الحقيقة كان القذافي قد أطلق العنان لقصته الغرامية مع لندن وواشنطن قبل أن تسقط أولى الصواريخ الامريكية والبريطانية على بغداد بوقت طويل. كانت بداية الغزل القذافي مع المعسكر الغربي قد بدأت مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان ذلك عبر وسيطين غير متوقعين وكلاهما يتمتع بعلاقات وطيدة مع بريطانيا.
وفقا لمصادر استخباراتية امريكية رفيعة المستوى، دفع القذافي لسفير السعودية في الولايات المتحدة الامير بندر بن سلطان ليساعده في فتح قناة حوار مباشرة مع الرئيس بيل كلنتون. ولكن محاولات بندر تم اعتراضها لشهور لممانعة مستشار الامن القومي ساندي بيرجر (Sandy Berger) الذي لم يكن يثق ببندر إطلاقا. ونجحت محاولات بيرجر إلى أن سافر الرئيس كلنتون إلى جنوب افريقيا في مارس عام 1998. حينذاك كان بندر قد استمال الرئيس الجنوب افريقي نيلسون مانديلا لترتيب لقاء مستعجل بينه (أي بندر) والرئيس كلنتون وجها لوجه ـ من خلف ظهر ساندي بيرجر ـ وترافع بالنيابة عن القذافي أمام الرئيس كلنتون شخصيا. يقال أن كلنتون لم يكن متحمسا لهذا الموضوع. لكن مع ذلك ومقابل الجهود التي بذلها بندر فإنه حصل على الملايين من الدولارات من الدكتاتور الليبي. واستمر هذه الاموال الليبية بالتدفق لسنين.
وتوجد العديد من الوثائق الرسمية التي توثق هذه الرواية. وفقا لتقرير صادر عام 2004 عن لين بويد جودسون (Lyn Boyd Judson) وهو بروفيسور في جامعة ساثرن كاليفورنيا، ترجع جهود بندرـمانديلا بالنيابة عن القذافي في واقع الأمر إلى العام 1997 أي حينما سافر الرئيس مانديلا إلى طرابلس متحديا، ليمنح القذافي وسام “جود هوب ميدال” وهو أرفع وسام مدني تمنحه جنوب افريقيا لمواطن أجنبي. كان مانديلا شديدا في تصريحاته في طرابلس حيث قال: “إن الذين يقولون أنه لا ينبغي أن أكون هنا هم أشخاص بلا أخلاق”. وأضاف مشيرا إلى القذافي: “هذا الرجل ساعدنا في زمن كنا وحيدين تماما، وقتها كان الناس الذين يقولون أننا لا ينبغي أن نكون هنا اليوم يساعدون العدو. إن الذين لا تعجبهم صداقتنا، بمقدورهم أن يذهبوا ويلقوا بأنفسهم في البحر.”
ويذكر البروفيسور جودسون، في دراسته المقدمة لمدرسة الشؤون الخارجية في جامعة جوروجتاون بعنوان
(“A Medal of Good Hope: Mandela, Qaddafi and the Lockerbie Negotiations ) التالي: “بدأ أمران حساسان بالوقوع كنتيجة مباشرة لتصريحات مانديلا العامة في طرابلس. فقد أصبحت المملكة المتحدة والولايات المتحدة في موقع الدفاع حيث أجبرتا على توضيح مدى عدالة مطالبهما الموجهة ضد ليبيا، ومن جانب آخر انضم كبير موظفي الرئيس مانديلا جايكس جيرفيل (Jakes Gerwel) للسفير السعودي الأمير بندر ليشكل الإثنان فريقا قام بجولات دبلوماسية مكوكية سرية بين طرابلس ولندن وواشنطن وجوهانسبيرج للتفاوض حول رفع العقوبات المفروضة على ليبيا.”
كانت تلك العقوبات قد فرضت على ليبيا في عام 1991 بعد أن رفض القذافي تسليم عضوين من المخابرات الليبية مطلوبين للمثول في المحاكمة المتعلقة بتفجير طائرة بان ام الأمريكية فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية في 21 ديسمبر 1988 والذي قتل فيه 270 شخصا.
بينما كان الامير بندر قد بنى روابط شخصية قوية مع أسرة بوش منذ أن كان بوش الأب نائبا للرئيس في عهد الرئيس رونالد ريجان، إلا أن علاقة كلينتون ببندر والمملكة السعودية كانت متوترة جدا. وكان لدى مستشار الامن القومي بيرجر أسبابا وجيهة لعدم الثقة ببندر وأصدقائه في لندن. كان بندر قد قام في عام 1985 بالتفاوض بشكل سري لعقد صفقة التسليح المسماة “اليمامة” بين السعودية وبريطانيا، والتي حصلت على اساسها شركة الدفاع البريطانية الكبرى بي أي إي (BAE Systems) على مئات المليارات من الدولارات مقابل مبيعات أسلحة للمملكة في هيئة مقايضات نفط مقابل سلاح. خلقت الاموال الناتجة عن هذه الصفقة صندوقا استخباراتيا سريا وتم تحويل مليارات الدولارات كعمولات إلى الحسابات الخاصة بأفراد الأسرة السعودية الحاكمة، وعلى رأسهم الامير بندر. بينما تشير الوثائق الرسمية المتعلقة “باليمامة” إلى أن الامير بندر حصل على 10 ملايين دولار فقط كعمولات شخصية لدوره في الصفقة، إلا أن مصادر حكومية أمريكية تعتقد بأن المبلغ هو في مستوى مئات الملايين على أقل تقدير.
حينما برزت أدلة حول تحويل بعض من هذه الأموال من حساب الامير بندر في مصرف ريجز ناشنال (Riggs National Bank) في العاصمة واشنطن إلى إثنين على الأقل من ارهابي القاعدة المتورطين في هجمات 11 سبتمبر 2001 على مركز التجارة الدولي والبنتاجون سارعت إدارة بوش إلى إخفاء الأدلة بتواطؤ من مكتب المباحث الفدرالي (اف بي اي).
نجحت الدبلوماسية السرية التي قام بها بندر ومانديلا بالنيابة عن القذافي في إنجاز هدف أولي، وذلك قبل أعوام من غزو العراق وتسليم ليبيا “أسلحة الدمار الشامل” لديها. في عام 1999، قام القذافي بتسليم ضابطي المخابرات الليبيين المتهمين بتفجير لوكربي لتتم محاكمتهما.
في يناير عام 2001 تمت إدانة أحد المتهمين فقط (عبدالباسط المقراحي) بتهمة التفجير. أما الآخر، أمين خليفة فهيمة، فتم الافراج عنه وعاد إلى ليبيا ليستقبل استقبال الابطال. في عام 2003 قام القذافي بدفع 2.7 مليار دولار تعويضا لعائلات ضحايا تفجير الطائرة فوق لوكربي، وفي 12 سبتمبر 2003 قامت الامم المتحدة برفع العقوبات المفروضة على ليبيا في تصويت بالاجماع، بينما امتنعت الولايات المتحدة وفرنسا عن التصويت.
صفقة بريطانيا: النفط مقابل الارهاب
حتى قبل رفع عقوبات الامم المتحدة، كان بلير يعمل من خلال بندر ومانديلا لتلبية عرض القذافي الأخير. كانت ليبيا ستفتح مخزوناتها النفطية والغازية ليتم استغلالها من قبل الشركات البريطانية بريتيش بيتروليوم ورويال داتش شيل وتمنح شركة بي أي إي سيستمز عقود تسليح ودعم لوجستي عسكري، كل ذلك مقابل إطلاق سراح المقراحي.
أطلق مارك الين من المخابرات البريطانية هذه المرحلة الثانية من عقد الزواج بين بريطانيا والقذافي والمخزون النفطي الكبير الذي يسيطر عليه الدكتاتور الليبي. ومرة أخرى دخل بندر ومانديلا على الخط.
في 11 يونيو 2002 قام مانديلا بزيارة المقراحي في سجنه في جلاسجو، وبدأ بحشد الضغط والرأي العام لإطلاق المقراحي وإعادته لليبيا لتيقضي ما تبقى من مدة عقوبة سجنه.
في مارس عام 2004، أي بعد ستة أشهر من رفع العقوبات عن ليبيا، أصبح توني بلير أول رئيس دولة غربي يزور ليبيا ويقابل القذافي منذ تفجير طائرة بان ام عام 1988. في أعقاب زيارة بلير لليبيا، تم تأسيس مجلس الاعمال البريطاني الليبي (British-Libyan Business Council) لفتح ماسورة أموال القذافي على مدينة أعمال لندن.
في مطلع عام 2005، قام مارك الين بزيارة ليبيا سرا مصطحبا معه اللورد براون (Lord Browne) المدير التنفيذي لشركة بريتيش بتروليوم وأحد أعضاء إدارة مصرف جولدمان ساكس انترناشنال، سعيا للحصول على عقود نفط وغاز من القذافي. طالب القذافي بإعادة المقراحي كشرط للموافقة على الصفقات.
في عام 2007 أجرى توني بلير زيارته الثانية إلى ليبيا مصطحبا معه سير نايجل شاينوالد (Nigel Sheinwald) وهو من حلفائه المقربين وكبار رجالات وزارة الخارجية البريطانية. انتقل شاينوالد من منصبه كمدير مكتب سكرتارية الدفاع والخارجية في حكومة بلير ليصبح سفير بريطانيا في واشنطن، مباشرة بعد الرحلة إلى ليبيا.
لقد تم في هذه الزيارة إلى ليبيا التوصل إلى “الصفقة في الصحراء” والتي تم وفقا لها إطلاق سراح المقراحي تحت أعذار “انسانية” زائفة.
في هذا الوقت تم تنصيب اللورد جاكوب روثشايلد (Lord Jacob Rothschild)، وهو من حلفاء بلير ومؤسس مجموعة انتر الفا المصرفية العالمية، في مجلس إدارة هيئة الاستثمارات الليبية وهي الصندوق السيادي الليبي الذي يسيطر عليه القذافي وقيمته أكثر من 100 مليار دولار. حالما غادر بلير منصب رئاسة الوزراء انضم هو الاخر إلى إدارة هيئة الاستثمارات الليبية.

وحينما “تقاعد” اللورد جاكوب روثشايلد من منصبه في مجلس إدارة الهيئة الليبية للاستثمار خلفه فيها ابنه ناثنايل روثشايلد (Nathaniel) حيث طور علاقة شخصية حميمة مع نجل القذافي سيف الاسلام. كانت لندن تعد العدة وتهيء سيف لخلافة والده وليكون مرساة اقليمية للتحالف البريطاني الطائفي أو ما يسمى “حزام الاستقرار السني” حيث تدعم بريطانيا الانظمة الدكتاتورية والملكية خاصة في الخليج الغني بالنفط. لكن هذا الحزام اصبح مشتتا بسبب الثورات الشعبية.
دكتوراه لندنية لسيف
يمتلك سيف القذافي عقارا قيمته 15 مليون دولار، وكان يستخدمه بين الحين والاخر أثناء حصوله على شهادة الدكتوراه عام 2008 من كلية الاقتصاد في لندن (London School of Economics). كان عنوان اطروحة الدكتوراه “دور المجتمع المدني في دمقرطة منظمات الحوكمة العالمية: من القوة الناعمة إلى اتخاذ القرار الجماعي”.
(“The Role of Civil Society in Democratization of Global Governance Organizations: From Soft Power to Collective Decision-Making.”). تمت إضافة عميد كلية لندن للاقتصاد سير هاوارد دايفيز (Sir Howard Davies) إلى مجلس إدارة هيئة الاستثمارات الليبية، لينضم إلى اللورد روثشايلد وبلير هناك.
قام القذافي بتعيين صديقة بلير الحميمة والوزيرة في أيام حكومته البارونة اليزابيث سيمونز (Baroness Elizabeth Symons) في المجلس الاستشاري العالمي لمجلس التنمية الاقتصادية الوطني الليبي، وذلك بعد وقت قصير من مغادرة بلير داونينج ستريت. البارونة سيمونز متزوجة من فل باسيت (Phil Bassett) وهو من أهم موظفي بلير ومهمته خلق ونشر الدعاية الحربية الكاذبة لتأييد غزو العراق وهو الذي حرر الدراسة التي ادعت أن صدام حسين كان لديه برنامج تسليح نووي سري ولذلك كان يجب إزالته من الحكم. كما أن سيمونز تترأس مجموعة من مجالس الأعمال البريطانية الخليجية وتدخل وتخرج من بلاطات الحكام العرب متى ما شاءت وتعد المؤتمرات التي ترسم السياسات الاقتصادية لدول الخليج.
كانت سيمونز ولا تزال رأس حربة الحكومة والأسرة المالكة البريطانية في حملتها الإعلامية ضد ليندون لاروش على خلفية “قضية داجان”(*) (Duggan Affair) وهي حملة تشهير وتشويه سمعة شنتها الحكومة البريطانية ضد حركة لاروش منذ عام 2003 وتتداخل مع حملة التشهير التي تعرض لها العالم البريطانية وخبير الأسلحة الدكتور ديفيد كيلي (Dr. David Kelly) من قبل الحكومة البريطانية على خلفية كشفه عبرر شبكة بي بي سي الاعلامية أن الدوسيه الذي قدمته حكومة بلير حول أسلحة الدمار الشامل العراقية كان زائفا. وجد الدكتور كيلي ميتا بعد فترة وجيزة من كشفه أكاذيب حكومة بلير فيما يشبه عملية انتحار مشكوك فيها في يوليو 2003. وقد فندت مجموعة من الاطباء البريطانيين تقرير هاتون الرسمي الذي ادعى أن وفاة الدكتور كيلي كانت انتحارا، وستبت محكمة بريطانية قريبا في طلبهم إجراء تحقيق تشريحي جديد.
كان دفاع سيمونز عن القذافي فاضحا حتى بعد أن أدار الدكتاتور الليبي فوهات اسلحته ضد شعبه. في 11 فبراير 2011 دافعت سيمونز عن القذافي في خطاب امام مجلس اللوردات حيث قالت: “لقد كنت في ليبيا في الاسبوع الذي تلى مغادرة الرئيس التونسي بن علي. كانت هناك مظاهرات حتى في طرابلس. لكن مع ذلك فإن القذافي ألقى خطابا مذاعا قال فيه أنه من غير المتوقع أن تقع مثل حذه الاحداث في ليبيا بسبب الايديولوجيا الصحيحة الموجودة والتي يعتز بها الشعب الليبي. وقد قامت الحكومة الليبية بتسخير ثروتها الطائلة بسرعة لدعم أسعار الغذاء للشعب.”
كلية لندن للاقتصاد وخليفة القذافي
لم يكن دفاع سيمونز عن القذافي زلة لسان معزولة. فكل جهاز بلير الحكومي ضبط متلبسا في علاقة غرامية من نوع خاص مع أسرة القذافي. فكلية لندن للاقتصاد، وهي من قلاع الجمعية الفابية البريطانية العريقة، كان تتكدس فيها شخصيات من داعمي القذافي، وكلهم كانوا يحصلون مقابل جهودهم على مواقع مهنية جذابة وتبرعات جامعية كبيرة من الدكتاتور الليبي وابنه الماجن سيف.
كان مارك الين، وهو القناة السرية مع القذافي، بالإضافة إلى كونه مستشارا مدفوع الأجر لشركة بريتيش بتروليوم، عضوا أيضا في الملجس الاستشاري لكلية لندن للاقتصاد وبالذات دراسات الشؤون الخارجية والأفكار، وهو برنامج دراسات خاص في الكلية ممول من قبل القذافي. بعد تقاعده من خدمة التجسس البريطانية توجه سير مارك أيضا للعمل في مجموعة مونيتور (Monitor Group)، وهي مؤسسة استخباراتية خاصة كان سيف الاسلام قد استعان بخدماتها في القيام “ببحوث” تتعلق باطروحة الدكتوراه التي كان ينوي تقديمها في كلية لندن للاقتصاد.
كان اللورد انتوني جيدنز (Lord Anthony Giddens) مديرا لكلية لندن للاقنصاد في عام 2002 حينما تم قبول سيف الاسلام كطالب دكتوراه فيها. سافر جيدنز إلى ليبيا في عام 2006 للتباحث مع معمر القذافي، ومباشرة بعد ذلك رتب محاضرة لمعمر القذافي حيث “حاضر” العقيد في طلبة الكلية في لندن من خلال الفيديو. كان جيدنز المعلم الروحي لتوني بلير ومبتدع ايديولوجية “الطريق الثالث” التي طبقها بلير.
البروفيسور ديفيد هيلد (Prof. David Held) كان من المقربين الموثوقين لبلير في كلية لندن ورئيس برنامج بحوث شمال افريقيا فيها، وهو برنامج مولته مؤسسة القذافي. كان الروفيسور هيلد من اساتذة سيف وأحد موجهيه.
تم تعيين الروفيسور هيلد في مجلس إدارة مؤسسة القذافي العالمية للاعمال الخيرية والتنمية في 28 يونيو 2009، أي بعد شهر من قبول كلية لندن للاقتصاد تبرعا بقيمة 1.5 مليون باوند استرليني من صندوق أسرة القذافي. تم تعيين هيلد في مجلس ادارة مؤسسة القذافي في نفس الوقت مع القس الدكتور تشونج هوان كواك (Dr. Chung Hwan Kwak) رئيس مؤسسة السلام الكوني وهي من واجهات كنيسة التوحيد التي يملكها القس سون ميونج مون (Sun Myung Moon).
تم إجبار هيلد على الاستقالة من مجلس إدارة مؤسسة القذافي في اكتوبر 2009، كنتيجة للاحتجاجات التي ثارت في كلية لندن بسبب تعمق العلاقات بين الكلية ونظام القذافي. لكن حتى في الاونة الأخيرة وتحديدا في 21 فبراير 2001 كان هيلد يدافع عن سيف القذافي باعتباره مؤمنا عظيما بالديمقراطية وحكم القانون. ففي مقابلة مع صحيفة الجارديان، علق هيلد على الخطاب المتلفز الذي القاه سيف القذافي وتوعد فيه بتدمير جميع معارضي نظام القذافي قائلا: “حينما أرى سيف يلقي ذلك الخطاب ـ وهو يبدو منهكا ومتوترا وبصراحة في حالة رهيبة ـ يتبادر إلى ذهني شكسبير وفرويد. رجل شاب يمزقه صراع بين ولائه لوالده وأسرته من جهة، ومعتقداته التي اصبح يعتنقها للاصلاح والديمقراطية وحكم القانون.”
حصلت كلية لندن للاقتصاد على ملايين الباوندات في هيئة منح مباشرة من القذافي، ومنها 1.5 مليون باوند “هدية” من مؤسسة سيف الخيرية، وهي هدية يشك فيها الان على انها رشوة الحصول على الدكتوراه. كما حصلت الكلية على 2.2 مليون باوند من معمر القذافي لقاء تدريب دبلوماسيين ليبيين.
الأمير اندرو
كان الأمير اندرو (Prince Andrew)، المبعوث التجاري العالمي للتاج البريطاني، قد دخل على الخط الليبي قبل عام 2008، حيث استضاف ندوة اعمال في لندن حل سيف الاسلام القذافي ضيف شرف فيها. كان الامير اندرو قد تعرف على سيف عبر مليارديرة كازاخستانية عمرها 30 عام وهي جوجا اشكنازي (Goga Ashkenazi). بين سبتمبر 2008 ومارس 2009 قام اندرو بثلاثة رحلات على الاقل إلى ليبيا، التقى في كل منها بمعمر القذافي.
تم تنفيذ المرحلة الاخيرة من “الصفقة في الصحراء” في 2 اغسطس 2009 حينما طار سيف القذافي إلى سكوتلندا لمرافقة المقراحي والعودة به إلى ليبيا. قضى سيف الاسبوع الذي سبق يوم 2 اغسطس في الجزيرة اليونانية كورفو، في منزل يملكه ناثنايل روثشايلد، في انتظار توقيع اتفاقية نقل المقراحي من السجن. كان يرافق القذافي اللورد بيتر ماندلسن (Peter Mandelson) الساعد الايمن لبلير ورئيس مجلس الملكة الخاص في فترة سابقة.
تعرضت عملية ترويض القذافي على يد البريطانيين لبعض المشاكل. مثلا، في نفس اللحظة التي كان بلير وبوش يمدحان فيها القذافي “لتطوعه” في التخلي عن أسلحة الدمار الشامل عام 2003، تمت إدانة عميلين ليبيين في الولايات المتحدة أحدهما امريكي الجنسية في مخطط لاغتيال ولي العهد السعودي حينها الامير عبدالله بن عبدالعزيز (الملك الحالي) بأوامر من القذافي تلقيا لقاءها ملايين الدولارات. في يوم 27 نوفمبر، وهو يوم الحصول إعلان تخلي القذافي عن برنامج التسليح، تم اعتقال أربعة سعوديين في مكة على خلفية مخطط اغتيال الامير عبدالله. تم تجنيد هؤلاء السعوديين من قبل الامريكي المسلم عبدالرحمن العامودي وضابط الاستخبارات الليبي محمد اسماعيل الذي دفع لهم مليوني دولار لقتل ولي العهد السعودي. تم تجنيد هؤلاء السعوديين في لندن. تمت إدانة العامودي واسماعيل وتوصل العامودي لاتفاق مع المحاكم الامريكية اعترف وفقه بالذنب وخففت عقوبته إلى 23 سنة حبس. لكن عندما خرجت هذه القضية إلى العلن في وسائل الاعلام في يونيو عام 2004 كان الامر قد برد والقذافي قد أصبح عمليا غنيمة من غنائم بريطانيا.
لا تزال التحقيقات تجري في مدى عمق صفقات السلاح وتدريب قوات القذافي وصفقات النفط التي نتجت عن الاتفاقية التي عقدها توني بلير مع معمر القذافي في سرت في 29 مايو 2007. لكن يتضح مما هو ظاهر أن بريطانيا احتوت نظام ليبيا ليضاف إلى ممتلكاتها الأخرى في المنطقة العربية. لكن هل تحرر الثورات العربية هذه الامم من قبضة الامبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس بعد لكنها بلغت الافق؟ هذا درس جيد للثوار.

(*) قضية جيريمي داجان هي قضية وفاة شاب بريطاني منتحرا على احد الطرق السريعة في المانيا بعد أيام من حضوره مؤتمر عالمي لحركة لاروش في مارس 2003 بعد أيام من غزو العراق. بالرغم من أن ثلاثة تحقيقات متتالية للشرطة الالمانية استجوبت فيها العديد من الشهود من سائقي السيارات الالمان الذين شهدوا انهم شاهدوا داجان يحاول أن يلقي بنفسه امام السيارات المسرعة عدة مرات وليس مرة واحدة، إلا ان الحكومة البريطانية ووسائل إعلام بريطانية عديدة روجت لنظرية أن السياسي الامريكي ليندون لاروش هو الذي تسبب في مقتل داجان بدون تقديم أية أدلة على الاطلاق. وقد وفرت الحكومة البريطانية والاعلام البريطاني محفلا عالميا لوالدة داجان لشن حملة مسعورة ضد لاروش وحركته مطالبين الحكومة الالمانية بإعادة التحقيق عدة مرات في نفس القضية إلى أن أصدرت المحكمة العليا الالمانية في عام 2010 حكما نهائيا بتثبيت التحقيقات اليوليسية الالمانية السابقة التي أثبتت أن وفاة داجان كان انتحارا وبشهادة شهود. ترافقت حملة التشهير هذه مع حملة متوازية للتغطية على وفاة الدكتور ديفيد كيلي في بريطانيا (المذكورة في صدر المقال). ومن المعروف أن البي بي سي استضافت لاروش وكيلي في نفس المدة للتحدث عبر شاشاتها عن زيف ادعاءات حكومة بلير والادارة الامريكية حول اسلحة الدمار الشامل العراقية والنوايا الخفية وراء غزو العراق. وكان ذلك قبل أسابيع فقط من غزو العراق.

مواضيع ذات صلة:

الامبراطورية البريطانية لم تغرب عنها الشمس، صفقة اليمامة

http://arabic.larouchepub.com/wp-content/uploads/2010/04/BAE-Pamphlet.pdf