حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2013/07/26

مقترح لإعلان استقلال مصر اقتصاديا

Filed under: مقالات — 2:41 ص

 

مقترح لإعلان استقلال مصر اقتصاديا

حسين العسكري

Proposal for an Egyptian Declaration of Economic Independence

Hussein Askary

 

25 يوليو/تموز 2013

 

خلاصة: يجب على الرئاسة المصرية المؤقتة القيام بإصدار “إعلان استقلال اقتصادي”، تعلن فيه مايلي:

 

1. أن مصر تعيش حالة طوارئ اقتصادية.

2. أن الحكومة ستقوم بإطلاق برنامج إعادة إعمار اقتصادي وطني يماثل خطط إعادة الإعمار التي تلي الحروب. وسيكون هذا البرنامج ملزما لجميع الحكومات المنتخبة لاحقا وفقا لمادة جديدة تدرج في الدستور.

3. أن تقوم الحكومة بتحديد مجموعة محددة ومعروفة من المشاريع متوسطة وطويلة الامد للبنية التحتية الوطنية والطاقة والمياه والزراعة والصناعة والبحث العلمي.

4. أن تعلن الحكومة أن جميع الاتفاقيات والسياسات المتفق عليها سابقا مع صندوق النقد الدولي باطلة ولاغية. كما تقوم بإعلان تجميد اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الاوربي (الشراكة المتوسطية) واستبدالها باتفاقيات ثنائية مع الدول الاوربية كلا على حدة.

5. أن تعلن الحكومة عن تأسيس نظام ائتمانات سيادي وطني جديد لدعم تأسيس “بنك إعادة الاعمار والتنمية الوطني”، من أجل تمويل المشاريع الضرورية المذكورة في النقطة الثالثة من إعلان الاستقلال الاقتصادي. وتكون الحكومة الداعم الرئيسي للبنك، ويمكن للمواطنين المصريين في الداخل والخارج الاكتتاب فيه كشركاء، وكما يكون مفتوحا للأفراد الأجانب والدول والمؤسسات الدولية (التي تود المساعدة حاليا في رفع الاقتصاد المصري والاستفادة من العقود التجارية والاستثمارات التفضيلية) عبر الودائع المباشرة أو الاكتتاب فيه بحصة أقلية، بحيث لا تستطيع التأثير على سياسات البنك. عدا ذلك يمكن للدول الصناعية تقديم ضمانات تصدير لشركاتها التي ستساهم في عملية إعادة الإعمار في مصر عبر توفير المكائن والمعدات والتقنيات والخبرة على أن تعيد مصر ثمن هذه الواردات للحكومة المصدرة بعد اكتمال الفترة الاستثمارية لهذه المعدات. يجب جعل جميع هذه الانواع من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية طويلة الأمد وغير مرتبطة بأطراف ثالثة مثل البنوك الاستثمارية التي تطمع في الاسترباح ماليا من هذا المشروع عن طريق الفوائد العالية والمضاربة في أسهم الشركات والمؤسسات المالية المساهمة في عملية إعادة الإعمار المصرية.

 

يجب على الرئيس المؤقت طرح “إعلان الاستقلال الاقتصادي” هذا في خطاب متلفز للأمة المصرية، من أجل كسب موافقة وثقة الشعب المصري الذي سيعلن موافقته (في استفتاء عام رسمي أو استفتاء في الشارع السياسي). بعد الحصول على موافقة الشعب المصري، يتم عقد مؤتمر وطني عام تناقش فيه تفاصيل هذا الإعلان وخطة إعادة الإعمار بين مصريين من علماء واقتصاديين ومفكرين وقادة سياسيين وشخصيات شعبية ودينية من مختلف الطوائف والتوجهات من داخل البلد وخارجه. يعقد المؤتمر برعاية الوزارات المعنية ببرنامج إعادة الإعمار في الحكومة المؤقتة. وتتم دعوة ممثلي الدول الأخرى بصفة مراقبين فقط.

 

شرح:

 

منذ عام 1882 وإلى اليوم دأبت الامبراطورية البريطانية على نهب مصر أو السيطرة عليها، أو محاولة تدميرها داخليا عندما تفشل الامبراطورية في نهب مصر أو السيطرة عليها بسبب طبيعة أبناء مصر وهويتهم الوطنية والتاريخية. مصر هي العمود الفقري للعالم العربي، فإذا انتهت مصر انتهى الباقون، وإذا تقوت مصر ووقفت على قدميها الثابتتين، استقامت شؤون الدول والشعوب العربية، وحتى الافريقية.

 

ولا تهتم الامبراطورية بمن يجلس في سدة الحكم، علمانيا كان أم إسلامويا أو ليبراليا، المهم أن يتبعوا سياسات التجارة الحرة ونهب خيرات وعرق جبين المصريين. فلا يهمنا هنا مناقشة لماذا انقلبت السعودية على الإخوان ولماذا تدعم قطر الإخوان (وكلتاهما شريكتان في ذات الوقت تدمير سوريا حاليا)، فقطر والسعودية كلتاهما تأتمران بأمر حكومة صاحبة الجلالة في لندن وحليفها الوثيق في البيت الأبيض.

 

لقد فشلت “ثورة” 25 يناير 2011 في تغيير الظروف الاجتماعية والاقتصادية المأساوية التي جلبتها على مصر “سياسات تحرير الاقتصاد” و “اقتصاد السوق”  و “الإصلاح الاقتصادي” الصادرة من صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى المدعومة من قبل الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الأمريكية، وهي السياسات التي نفذتها حكومات الرئيس حسني مبارك المتعاقبة في الثلاثين عام الماضية. وكان نظام مبارك ورجال الأعمال المرتبطين به والمستفيدين منه هم أداة تنفيذ جريمة تدمير الاقتصاد المصري وليس العقل المدبر لها.

 

لذلك بقي الخطر ماثلا حتى بعد سقوط مبارك وانتخاب الرئيس الجديد محمد مرسي في 12 يونيو 2012. وعندما أعلن الرئيس مرسي عن برنامجه الاقتصادي “برنامج المئة يوم الأولى”، أصبح جليا لدى هذا الكاتب أن مأساة مصر ستستمر وستدخل مصر في دوامة جديدة من الهزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ستنتهي بتدخل العسكر. وقد ذكر الكاتب هذه التوقعات في مقالة صدرت في 13 يوليو 2012 في مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو التابعة لحركة لاروش

 

“Pan-Islamism Is the Death of the Nation!”. EIR, July 13, 2012

http://www.larouchepub.com/eiw/public/2012/eirv39n27-20120713/35-38_3927.pdf

وللتوضيح أكثر نقتبس هذا المقطع المترجم من المقالة:

 

“إن برنامج المئة يوم الأولى الذي أعلنه الرئيس مرسي، هو ليس إلا حمية غذائية ذات سعرات حرارية منخفضة للشعب المصري. فهو يقترح إبقاء الوضع الراهن للفقر كما هو بشكل فعال من خلال تركيزه فقط على إبقاء أفران الخبز مفتوحة، وهي سياسة لا تضيف جديدا للاقتصاد المصري واتبعها الرئيس مبارك من قبل، باعتبارها النقطة الاولى والأساسية في البرنامج. ثم يلي ذلك من ضمن اولويات برنامجه المحافظة على نظافة الشوارع وحركة السيارات سلسة وقطارات المترو القديمة تدور، إلخ. إن مثل هذا البرنامج يثبت أن الرئيس ليس جاد في رفع شبح الفقر والظلم الاجتماعي عن البلد. فإذا لم يقاطع مرسي وبشكل نهائي جميع سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويدعو إلى تعبئة طارئة لإصدار ائتمانات وطنية لإطلاق عملية بناء مشاريع أساسية مثل الممر الافريقي، فإن هذا الرئيس سيثبت النقاط المذكورة في هذا المقال عن أصل الإخوان المسلمين وغرضهم.”

 

وبينما من الطبيعي والضروري أيضا توفير الخبز لأبناء الشعب، إلا أن هذا هو ليس لوحده الغرض الذي من أجله تنتخب الحكومات. فعوضا عن إطلاق مشروع إعادة إعمار شامل وقطع جميع العلاقات مع العقل المدبر لتدمير مصر، أي صندوق النقد الدولي وسياساته، قضت حكومة مرسي قسما مهما من الشهور التالية لانتخابه في استجداء عطف الصندوق والتفاوض لإعادته إلى ربوع مصر وللحصول على قرض مهين بقيمة 4.8 مليار دولار. ورذا للملح في جروح مصر الغائرة رفض الصندوق تقديم هذا القرض لمصر.

 

إن الرئيس مرسي لم يخفق فقط كليا في قراءة الوضع الداخلي المهزوز لإدارة اوباما التي كان يتأمل دعمها للبقاء في الحكم، بل وأخفق في قراءة مدى إفلاس صندوق النقد الدولي ومن ور ائه الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة اللذان يقفان على هاوية الافلاس الاقتصادي والمالي منذ عام 2008، وليسا قادران إلا على شراء قليل من الوقت بسياسات التقشف الإجرامية ذاتها التي كانت تفرض على دول مثل مصر وافريقيا وامريكا الجنوبية من قبل، وهي السياسات التي بدأت تحصد أرواح الناس في اوربا والولايات المتحدة وتشيع البطالة القياسية في أوساط الشباب في تلك البلاد، بالضبط كما وقع في مصر وتونس من قبل.

 

كانت حكومة مرسي “والخبراء الاقتصاديون” الموهومون يعللون لهاثهم وراء قرض الصندوق، بأن القضية الفعلية هي ليست مبلغ المال الذي سيمنحه الصندوق لمصر وإنما القرض حين صدوره سيعتبر شهادة حسن سلوك للاقتصاد المصري، ومن شأنها أن تسمح لمصر من الانغماس مجددا في دوامة الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية. لو كان ذلك قد تم، لكانت تلك مصيدة ديون أكبر وأخطر مما عليه الامور الآن. إن هؤلاء ينسون أن مصر هي ليست تلميذا مشاكسا في الأول ابتدائي لتثبت حسن سلوكها بل أمة عريقة قدمت للتاريخ الانساني ما لا تحصره المقالات.

 

إن مشكلة حكومة مرسي، بالإضافة إلى طمعها وانشغالها في بسط نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين في كل مؤسسات الدولة والمجتمع ولعبه دور أداة للجيوسياسة الانجلوامريكية، هي ليست قلة المال بل أنعدام الرؤية والمعرفة بعلم الاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد الفيزيائي، الذي هو من مشتقات مفهوم الاستخلاف! (طالع كتاب ليندون لاروش في الاقتصاد الفيزيائي. مترجم وموجود مجانا على الموقع العربي لحركة لاروش: www.arabic.larouchepub.com

 

الاخطاء قد تتكرر

 

إن ما يخشى منه الآن هو أن تلجأ الحكومة المصرية المؤقتة التي تم تعيينها من قبل قيادة الجيش االمصري في الرابع من يوليو الحالي إلى ذات الحلول المؤقتة والإجراءات التي تبقي على الوضع الراهن في حالة جموده، تاركة بذلك أعباء أكبر للحكومة المنتخبة مستقبلا.

 

لم يذكر الرئيس المؤقت عدلي منصور في إعلانه الدستوري الصادر في 8 يوليو أي شيء ذي أهمية في ما يخص حالة اقتصاد الأمة المصرية. فترك المشكلة لحكومة رئيس الوزراء حازم الببلاوي للتعامل مع المشكلة الاقتصادية. ففي المادة 26 من الاعلان الدستوري يرد مايلي: “كما يصدر (رئيس مجلس الوزراء) اللوائح اللازمة لإنشاء المرافق والمصالح العامة وتنظيمها بعد موافقة مجلس الوزراء، فإذا رتب ذلك أعباء جديدة علي الموازنة العامة للدولة، وجبت موافقة رئيس الجمهورية.”

 

ليس هناك حاجة للمجادلة في أنه ليس هناك أي مجال في موازنة الدولة المنهكة لتمويل أي مرافق أو مصالح عامة تذكر. فمن الأخطاء الفتاكة لسياسات صندوق النقد الدولي (التي تنفذها دول الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة على نفسها اليوم) هو أن طالما ليس هناك سعة في ميزانية الدولة لتمويل مشاريع أساسية للبنية التحتية والتعليم والصحة البحث العلمي، فيجب إلغاء تلك المشاريع، أو تركها للقطاع الخاص الذي لا يقدر على تنفيذ مشاريع وطنية كبيرة إلا إذا كلفت المواطن والاقتصاد الوطني ثمنا باهضا جدا.

 

دأبت مصر في الآونة الأخيرة على الاقتراض من الأسواق المالية أو من الدول الصديقة والشقيقة لتمويل العجز في ميزانية الدولة. فقطر مولت حكومة الإخوان بعدة مليارات، والآن انفتحت خزائن السعودية والامارات والكويت السخية لدعم الحكومة المؤقتة بعد إسقاط حكومة مرسي. لكن هذا االسخاء الخليجي الذي سيوجه نحو تمشية الامور الانية العاجلة سيجعل مصر مربوطة بساقية الجري وراء المعونات المشروطة سياسيا بطبيعة الحال. إن المطلوب معالجة المرض وليس تسكين الأعراض عن طريق التخدير الموضعي.

 

علاج المرض

 

بالرغم من أن الحكومة والرئاسة الحالية هي حكومة مؤقتة ومؤسسة طارئة، إلا أن لديهما الامكانية والمسؤولية المناطة بهما (من قبل الدعم الجماهيري الهائل في الانتفاضة الأخيرة في 30 يونيو التي أدت إلى مجيئها للحكم) للإعلان عن نية وعزم الحكومة المصرية والأمة المصرية إعادة بناء كل الاقتصاد المصرية ومستقبل السياسة الاقتصادية للبلد.

 

إن إعلان النية هو بمثابة إعلان الحرب الذي سيحفز كل أطياف الشعب للوقوف وراء برنامج “إعلان الاستقلال الاقتصادي” ويجمع طاقات المجتمع المالية والاقتصادية والعلمية ويعبئها في اتجاه واحد. كما سيؤدي إعلان النية هذه المدعوم من قبل الشعب المصري إلى جعل دول العالم تنظر إلى مصر واقتصادها باعتبارها فرصة وليس عبئا أو مشكلة، مما سيزيد من ثقة العالم بموقف مصر الإئتماني، لأن هناك وضوح في الرؤية والاهداف وتسخير جميع الامكانيات في ذلك الاتجاه.

 

لكن ينبغي أولا التخلص من مخلفات الفكر النقدي الانجلوساكسوني، الذي يعتبر النقد أو المال الحجر الأساس لإنعاش الاقتصاد المصري أو أي اقتصاد آخر. المشكلة الأخرى هي الايمان “بالاستثمار الخارجي” باعتباره حلا سحريا للاقتصاد وبدون شهادة حسن سلوك من صندوق النقد الدولي لن يأتي هذا الزائر ذو اليد السحرية.

 

لهذا السبب على السياسيين والاقتصاديين المصريين دراسة الخلفية التاريخية التي توفرها حركة لاروش في الولايات المتحدة لما يسمى “نظام الائتمانات الوطني” (national credit system )  الذي أسسه وزير المالية الامريكي الاول وأحد الآباء المؤسسين لجمهورية الولايات المتحدة أليكساندر هاملتون. كانت الولايات الامريكية إبان الثورة الامريكية 1776 وحروب التحرر من الامبراطورية البريطانية مجموعة ولايات مفلسة ماليا وغارقة في الديون الخارجية والداخلية. قام هاملتون بتوحيد جميع ديون الولايات المتفرقة وجعلها دينا واحدا تحت خيمة الحكومة الفدرالية ومن بعد البنك الوطني الاول الذي أسسه. بذلك جعل هاملتون كل هذه الديون دينا واحدا في ذمة الولايات المتحدة كأمة موحدة  وطلب من الكونجرس إعلان نية الولايات المتحدة الالتزام الكامل بدفع هذه الديون بالكامل، وذلك في تقريره للكونجرس المعنون (First Report on the Public Credit) في يناير 1790 بعد إقرار الدستور. بعد كسب ثقة الدائنين وإعادة جدولة الديون، وإقرار سلطة الكونجرس والحكومة على تحصيل الضرائب والتعرفة الجمركية واستخدامها لدفع جزء من فوائد الديون، تمكن هاملتون من تحويل الدين إلى رأسمال! ثم شرع في إصدار إئتمانات جديدة في هيئة سندات حكومية، لكن هذه السندات، أو الديون الجديدة استخدمت لتمويل مشاريع زراعية وصناعية وتطوير البنية التحتية. أصبحت هذه السندات بحد ذاتها وسيلة للتداول بين أصحاب النشاط الاقتصادي، وبما ان هذه الاستثمارات هي استثمارات منتجة سواء في هيئة غلال زراعية أو منتجات صناعية، فإن العائد الضريبي على هذه المنتجات يصبح وسيلة لقيام الحكومة بدفع ديونها وإصدار المزيد من الإتمانات أو الدين، إذا أحببت، وزيادة السيولة النقدية الحكومية الموجهة للمزيد من النشاطات الانتاجية.

ولتبسيط الموضوع قليلا، لنأخذ مثال الفلاح الذي لديه أرض خصبة ويريد أن يستثمر فيها، لكن ليس لديه نقود أو بذور أو معدات. فإذا وفرت له الدولة أو المصرف ضمانة قرض فبإمكانه استخدام تلك الضمانة (حتى بدون إصدار أوراق نقدية / عملة) لشراء بذور من التاجر ومعدات حراثة من الحداد. ماهو رأسمال الفلاح، ليتمكن من الحصول على هذه القروض والمعدات؟ رأسماله هو عمله وأرضه والمنتوج من القمح أو غيره الذي سيبيعه بعد بضعة شهور من بدء الزراعة، أي المستقبل! هكذا لا نحتاج في الواقع نقود حتى نبدأ بالانتاج. ما نحتاجه هو رؤية المستقبل ونية العمل المخلص لخلق شيء من لا شيئ! تاجر البذور سيستورد المزيد من البذور والحداد سيصنع المزيد من المعدات والعاملون في مناجم الحديد والفحم سينتجون خام الحديد، وصناع الفولاذ سيحولون الخام إلى فولاذ وستحتاج الدولة لأن تبني نواعير المياه او دواليب الهواء لانتاج الطاقة لهذه الصناعات والطرق لنقل كل هذه المنتجات، وتشغل العمال والبنائين والمهندسين للقيام بذلك من عوائد الضريبة.

رأسمال الولايات المتحدة في ذلك الوقت كان نيتها لإعادة إعمار البلاد وبناء اقتصاد منتج، بالإضافة إلى روح النصر والحرية التي تمتع بها ابناء الشعب وقادتهم بعد الانتصار على أعتى امبراطورية على وجه الأرض، الامبراطورية البريطانية.

 

لذلك على القائد المصري والمواطن المصري أن يسأل نفسه أو نفسها: ماهو رأسمال مصر؟

 

نظام الاعتمادات الوطنية الذي أسسه هاملتون، واتبعه بعض أهم رؤساء الولايات المتحدة لإعادة بناء اقتصادها مثل ابراهام لنكولن وفرانكلن روزفلت بعد الكساد العظيم في 1930 ونهوض الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية على وجه الارض، يعني أولا أن تقوم الامة الوطنية بتثبيت سيادتها واستقلاليتها، وثانيا أن ترفع المستوى الانتاجي ليدها العاملة والمجتمع ككل عن طريق تبني المشاريع المنتجة وخاصة البنية التحتية والتعليم والصحة وتطوير التكنولوجيا المستخدمة في عملية الانتاج، وثالثا المحافظة على هدف الامة ورؤيتها المستقبلية بعيدة الامد. ما يحدث الان في مصر واوربا والولايات المتحدة للأسف هو اللهاث وراء سد العجز في الميزانية من عام إلى عام ومن فصل إلى فصل، بينما الرؤية للمستقبل تصبح أكثر ضبابية وتقريبا مستحيلة لأن الساسة ينظرون فقط لما تحت أقدامهم خوفا من الانزلاق في الهاوية ولا يستطيعون النظر في الافق.

 

إن ما تحتاجه مصر لثبيت سيادتها وإعلان استقلالها التام هو النقاط التي طرحت في مقدمة هذا المقال.

 

بعد إعلان النية بشكل عام وعلني كما هو مذكور أعلاه، ينبغي على الحكومة تحديد نقاط ضعف الاقتصاد الوطني، وتحديد العلاج المناسب لها.

 

على سبيل المثال، تعاني مصر من نقص مزمن في الأغذية والوقود والطاقة الكهربائية والإسكان ووسائل النقل العام الفعالة وتعاني من البطالة.

 

بينما توجد المئات وربما الآلاف من المقترحات (ومهندسو مصر أدرى بشعابها) لمشاريع تطوير المدن في كل مدينة وبلدة في مصر التي تنتظر التنفيذ لعقود، لا بد من وجود رؤية شاملة تبدأ من المستوى الوطني أولا وتعبئة كل موارد الأمة لتنفيذ المشروع الوطني الذي تندرج تحته بقية المشاريع المحلية.

 

إن القطاعات الثلاثة الأساسية للبنية التحتية التي بدونها لن يمكن تنمية الزراعة ولا الصناعة هي:

الطاقة، والمياه، والنقل.

 

- الطاقة: يجب إعادة إحياء برنامج مصر النووي الذي أهمل لعقود، أو تم تجاهله عمدا بسبب الضغوط السياسية من الولايات المتحدة واوربا. الطاقة النووية هي المصدر الوحيد للطاقة النظيفة ذات القدرية العالية، بعد استنفاذ الطاقة الكهرومائية. أما الطاقة الشمسية، التي تحاول اوربا استغفال دول افريقيا الشمالية بتبنيها بديلا عن الطاقة النووية،  فيجب شطبها من لائحة المشاريع الوطنية لأنها ليست مجدية فيزيائيا ولا اقتصاديا وتعتبر هدرا للأموال العامة التي تنفق كدعم حكومي لها حاليا في الولايات المتحدة وأوربا. الطاقة الشمسية مناورة سياسية لوقف التنمية الصناعية وليس بديلا بأي شكل من الأشكال لا علميا ولا اقتصاديا.

 

يجب البدء بمفاوضات مع الدول القادرة على بناء المفاعلات النووية ومنها الولايات المتحدة وفرنسا (علما ان الامل ضعيف جدا في موافقتهما) واليابان وكوريا الجنوبية وروسيا والصين، لبناء اول المفاعلات النووية في الضبة الذي كان احد ثلاثة مفاعلات أقرها المجلس الأعلى للطاقة في مصر عام 1984. ويجب الالتزام بالخطة الأصلية لهذه المشاريع المتمثلة بالاستخدام الثنائي للمفاعلات في توليد الطاقة الكهربائية للصناعة والاحتياجات الحضرية وأيضا تحلية مياه البحر لسد النقص في المياه الصالحة للشرب والزراعة خاصة في المناطق البعيدة عن وادي النيل.

 

القطاع البترولي المصري يشكو من قلة الاستثمارات وقلة الانتاجية. أما قطاع تكرير النفط لسد الحاجة من المنتجات والمحروقات وطنيا فيجب معالجتها بسرعة، عن طريق بناء سلسلة مصافي نفط في مناطق متفرقة من البلد. بينما تصدر مصر ما قيمته حوالي 9 مليار دولار من النفط والغاز الخام (2011) تستورد في الوقت ذاته بنفس القيمة منتجات نفطية مكررة من الخارج بقيمة مضافة.

 

- المياه: لقد اسمتعت مصر عبر الاف السنين برفقة نيلها السخي على ضفتيه في الوادي، لكن الوقت قد حان، لأسباب تتعلق بكمية المياه المتاحة وارتفاع عدد السكان وحاجاتهم ولأسباب استراتيجية أيضا، لأن يفتح المصريون أراضي جديدة. 80 مليون مصري يعيشون على ومن 6 أو 7% من مجمل أراضي البلد. ثم تأتي المنظمات الدولية وتقول أن مصر مكتظة بالسكان وأن هناك حاجة لتقليل النسل، بينما 90% أو أكثر من البلد خالية من السكان والنشاط الاقتصادي.

إن تلك الاراضي هي اراضي خصبة وغنية بالمعادن، لكنها غير مربوطة بشبكة الطاقة والمياه والنقل الوطنية.

 

لقد حاول العلماء والمهندسون إقناع الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة مرسي، بجدوى توسيع رقعة النشاط الاقتصادي في المناطق الصحراوية لكن بدون طائل. كل مشاريعهم مجدية اقتصاديا وعلميا ولا غبار عليها. لكن انعدام الرؤية لدى السياسيين أجهضتها. لكنها لا تزال قائمة وأصحابها لم يتازلوا بعد. إن هذا الكاتب على دراية بثلاثة منها، ولربما كانت هناك مشاريع أخرى لا علم لنا بها. هذه المشاريع الثلاثة الرئيسية هي:

 

أ- ممر التنمية الذي اقترح بناءه عالم الفضاء المصري الفذ الدكتور فاروق الباز. وينطوي المشروع على بناء ممر من الطرق السريعة وسكك الحديد وأنبوب مياه تسير جميعها كوحدة واحدة غرب وادي النيل من بحيرة ناصر على الحدود مع السودان وبالتوازي مع وادي النيل إلى الشمال وصولا إلى الاسكندرية على شاطي البحر المتوسط. وسيتيح بناء هذا الممر بناء مدن ومجمعات زراعية وصناعية حديثة على طول 1200 كيلومتر وعرض 80-100 كلم.

وتوجد تفاصيل المشروع على موقع ممر التنمية: https://www.facebook.com/ELBAZ.CORRIDOR

 

ب ـ نهر النيل الانبوبي العالي الذي يقترحه عالم الجيولوجيا المصري المعروف الدكتور حمدي سيف النصر وينص على بناء خطي أنابيب كبيرة الحجم تنطلق من جانبي السد العالي، وتستفيد من أولا ارتفاع الأراضي المحيطة بنهر النيل لتنساب إلى الأراضي الصحراوية شرقا وغربا على طول نهر النيل، وثانيا من انحدار تلك المرتفعات من السد العالي نحو الشمال بحيث تتم الاستفادة من الجاذبية الأرضية لنقل المياه بدون استخدام طاقة كهربائية للضخ. وينطوي المشروع أيضا على توفير كميات كبيرة جدا من مياه النهر التي تهدر بسبب التبخر في الترع الزراعية. ومثله مثل مشروع ممر التنمية سيفتح مشروع نهر النيل الانبوبي العالي أراضي زراعية ومراكز سكانية جديدة.

وتوجد تفاصيل المشروع على الموقع التالي:

https://www.facebook.com/The.High.Nile.River.Pipes

 

ج – مشروع الممر الافريقي الذي صممه المهندس المصري الفذ أيمن رشيد. ويعتبر هذا المشروع أكثر شمولية باعتباره مشروعا قاريا يجعل من مصر ممرا للتجارة العالمية بين شرق أفريقيا وآسيا وشمال أفريقيا واوربا على شواطئ البحر المتوسط. ويتضمن المشروع بناء منظومة سكك حديد عالية السرعة والطرق السريعة وقناه مياه من منطقة البحيرات العظمى وشرق الكونغو عبر السودان بشطريه إلى ميناء سيدي براني غرب مصر (قناة المياه ستأتي بمياه من البحيرات العظمى أو شرق الكونجو لتصب في منخفض القطارة لخلق بحيرة مياه عذبة). كما يمتد خط سكك حديد آخر من الصومال عبر أثيوبيا والسودان إلى مصر. ويشبه هذا المشروع المشروعين السابقين من ناحية أنه يفتح أراضي جديدة للنشاط الزراعي والصناعي والسياحي، لكنه أكثر حجما وتأثيرا من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية الاقليمية والعالمية.

 

توجد تفاصيل مشروع الممر الافريقي على الموقع التالي:

https://www.facebook.com/aiman.rsheed

 

 

إن هذه المشاريع الثلاثة لا تناقض بعضها بل يكمل بعضها البعض بشكل سلس. لذلك ليس المطلوب الاختيار فيما بهنا، بل الشروع بتنفيذها دفعة واحدة.   

 

التمويل:

 

لا يمكن تمويل مثل هذه المشاريع ولا خطة التنمي المقترحة من ميزانية الدولة، ولا يمكن الاعتماد على المؤسسات الدولية او الاقليمية، لأنها لن ترغب، وحتى لو رغبت فلن تقدر بسبب الأزمة المالية والمصرفية العالمية. إن تمويل هذا المشروع هو مسؤولية الامة المصرية بالدرجة الاساس.، وينبغي خلق ميزانية خاصة لها.

 

إن نظام الاتمانات الوطني الذي أشرنا إليه أعلاه كما تم تطبيقه في الولايات المتحدة من قبل اليكساندر هاملتون، يناسب الوضع المصري تماما. إن مايعنيه هذا النظام هو أن تثبت الحكومة والامة من ورائها سيادتها الوطنية واستقلالها أولا، وعلى أساس ذلك أن تمنح نفسها الحق الشرعي في أن تنتج الائتمانات (تستدين) التي تحتاجها لتمويل نهضتها الاقتصادية الواضحة المعالم لرفع المستوى المعيسي والقدرة الانتاجية للمجتمع، كما بينا هنا.

 

حينما تعلن الحكومة عن نيتها إعادة اعمار البلد وبناء الاقتصاد وتوضح المشاريع المدروسة علميا والمجدية اقتصاديا (ولو في المستقبل)، حينها ستكون لديها الثقة والمصداقية لتأسيس “بنك تنمية وإعمار وطني”، تشارك الدولة فيه بقسم من رأسماله، ويساهم بالقسم الآخر المواطن المصري والمؤسسات المالية المصرية بعد أن يكتسبوا الثقة في حكومتهم (بحيث تخرج الأموال الخائفة من ظلمتها وتعود الهاربة منها إلى الوطن). كما ينبغي سن قوانين جديدة تقنن الاموال المستثمرة في البنوك الاستثمارية والشركات المالية بحيث تفرض ضرائب إضافية على عمليات المضاربة المالية التي ليست موجهة نحو مشاريع اقتصادية حقيقية، أو مستثمرة في مضاربات في خارج البلد. ويجب توجيه وتحفيز صناديق الاستثمار مثل صناديق التقاعد مثلا نحو الاستثمار في سندات بنك التنمية والمشاريع المرتبطة به. هكذا يتم توجيه رأس المال الوطني نحو الهدف الأساسي، نحو نية الأمة النهوض من أزمتها الحالية وبناء مستقبل أفضل. هكذا ستزداد ثقة المستثمر الأجنبي ايضا ويسمح له بالمساهمة والمشاركة بشرط جعل الاستثمارات طويلة الامد وليس عرضة لنزوات ومصالح المستثمر الاجنبي قصيرة النظر والذي يدخل متى شاء ويخرج متى شاء بغية تحقيق ربح سريع مثلما هو معمول به الآن.

 

الخطوة التالية بعد تأسيس البنك هي كيفية توجيه الائتمانات والاموال (بعد تسييل جزء منها من قبل البنك المركزي في هيئة عملة أو أوراق نقدية) نحو المشاريع المحددة. يمكن القيام بذلك عن طريق مؤسسة مالية حكومية (تشبه المؤسسة المالية التي أسسها الرئيس روزفيلت Reconstruction Financial Corporation) تعمل مع الوزارات والشركات المناط بها تخطيط وتنفيذ تلك المشاريع وتقوم بتقديم القروض لها. مثلا قروض لمؤسسة سكك الحديد لتنفيذ مشاريعها. كما يمكن توجيه جزء من هذه الاموال إلى البنوك التجارية (وليس الاستثمارية) لإاقراضها للشركات الثانوية والمشاريع الأصغر المرتبطة بالمشاريع الكبرى، مثل الشركات التي ستوفر خدمات نقل أو صيانة أو استشارات للشركات الكبرى القائمة على تنفيذ المشاريع. كما يمكن لهذا المؤسسة الحكمية تقديم معونات للبلدات والمحافظات التي تكون في حاجة ماسة لتنفيذ مشاريع محلية.

 

هذه بطبيعة الحال الخطوط العريضة لفكرة البنك الوطني للتنمية، أما التفاصيل فعلى الاقتصاديين والمشرعين المصريين رسمها. الغرض من ما هو مطروح هنا هو تبيان ضرورة قطع الحبل السري الذي ربط مصر باقتصاد العولمة والليبرالية الاقتصادية البريطانية التي استنزفت طاقاتها. كما أننا نطرح الخلفية التاريخية لنبين أن هذا النظام نجح في الماضي وفي الولايات المتحدة في أزهى مراحل تقدمها، في نهاية القرن الثامن عشر وإبان الحرب الأهلية، في عهد ابراهام لنكولن، وبعده إلى الثمانينات من القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين في عهد الرئيس فرانكلن روزفيلت من عام 1933 إلى 1945. للأسف تخلت الولايات المتحدة عن ذلك النظام بعد مقتل الرئيس جون كيندي، وهاهي اليوم تعيش أكبر أزمة اقتصادية واجتماعية في تاريخها. وتشن حركة لاروش في الولايات المتحدة وأوربا حملات سياسة كبيرة حاليا من أجل العودة إلى ذلك النظام لإعادة بناء الاقتصاد الامريكي والاوربي، والكف عن العيش كطفيلي من انتاج الشعوب الاخرى.

ويوجد مثال آخر مفيد من التاريخ لمثل هذا النظام المتمثل ببنك تنمية لإعادة الاعمار في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو “مؤسسة الائتمانات لإعادة الإعمار” (Kreditanstalt fuer Wiederaufbau) الذي كان جزءا من “خطة مارشال” الامريكية. ونجحت تلك المؤسسة الالمانية بإعادة بناء البلد المدمر بشكل منقطع النظير وبدون استخدام كميات كبيرة من النقد، لأن ألمانيا كانت مفلسة، لكنها نجحت في توجيه كل شيء موجود نحو عملية البناء في مشاريع منتجة حقيقية، ولم يكن الهدف الاسترباح المادي والنقدي، بل بناء البلد. وفي كل تلك الامثلة التاريخية المنتقاة هنا، كان وضع تلك الدول يشبه وضع مصر اليوم، فإما كانت خارجة من حروب طاحنة أو من أزمات اقتصادية ومالية خانقة.

 

يجب أن لا ينسى القائمون على خطة او مشروع إعادة بناء اقتصاد مصر في كل مرحلة من مراحل عملهم أن رأس مال مصر هو شعبها وتاريخها وأرضها وعلماؤها وشبابها، وروح الحرية والكرامة التي كانت منذ ثورة عرابي وإلى اليوم الشعلة التي تنير الطريق.