حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2015/10/08

كيف نحقق رؤية كبرى لمواجهة أزمة اللاجئين

مصنف تحت مقالات — 12:04 ص

Helga Zepp-LaRouche: In the Face of the Refugee Crisis, Realizing a Grand Vision

 

 

هيلجا لاروش: رئيسة حزب الحقوق المدنية والتضامن الالماني ورئيسة معهد شيللر

ترجمة: حسين العسكري

إن أزمة اللاجئين المتفاقمة قد قسمت ألمانيا الى معسكرين متناقضين كليا: الغالبية من السكان، لحد الآن على الأقل، الذين استجابوا كبشر أخيار (على مثال السامري الخير) لمعاناة اللاجئين وقدموا ما استطاعوا من مساعدة بشكل او بآخر لرفع شيء من هذه المعاناة. لقد عبرت المستشارة أنجيلا ميركل بعبارتها الشهيرة “سنفعل ذلك!” عن رأي الغالبية تلك.

ثم هنالك الفريق الآخر الذي يبدأ من زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي هورست زيهوفر ويمر بوزير الداخلية توماس دي ماتسيير وإلى صهر وزير المالية شويبله وزير مالية ولاية بافاريا ماركوس زاودر وانتهاء حزب البديل الالماني وحركة “بيجيدا” المعادية للأجانب (مختصر اوربيون وطنيون ضد أسلمة الغرب، وهي حركة تأسست في مدينة دريسدن الالمانية وتنظم مظاهرات معادية للاسلام منذ أكتوبر 2014).

إن المناخ السياسي بين هذين المعسكرين قد أصبح ساخنا إلى درجة (زاد في سخونته العبء الإضافي الفعلي الملقى على البلديات وعدم وجود قدر مناسب من الوحدات السكنية القادرة على استيعاب اللاجئين) بحيث أصبح الوضع السياسي في ألمانيا يوشك على الخروج من نطاق السيطرة. إذا حصل ووقع ذلك، فإنه سيكون لهذا الامر تبعات كارثية على اوربا كلها، نظرا لوزن ألمانيا في القارة.

إن هذه الأزمة ليست أزمة تلوح نهايتها في الأفق. على العكس من ذلك تصل كل يوم عشرات الصور لجثث لاجئين  لفظها البحر المتوسط على الشواطئ الاوربية، صور تدين المجتمع الدولي لأطفال رضع وصغار السن، وكأنها مرآة لسياسة الاتحاد الاوربي الفاشلة التي تجاهلت الكارثة القادمة لسنين عديدة وتركت اليونان وايطاليا يواجهانها بمفردهما. رسميا، غرق 2600 لاجئا في البحر هذا العام، لكن مالم يتم رصده أكثر بكثير من ذلك. ليس السوريون اليائسون هم الوحيدون الذي يخاطرون بحياتهم في محاولة الهروب من الموت. بل هناك الملايين من الافغان والعراقيين واليمنيين والليبيين ومن العديد من الدول الافريقية أو اولئك القابعين في مخيمات اللاجئين في تركيا، لا يرون أي مستقبل امامهم ويشدون الرحال صوب اوربا قدر ما استطاعوا.

وهنالك البعض الآخر مثل مدير وكالة فرونتيكس (وترمز إلى الوكالة الاوربية لإدارة عمليات التعاون على الحدود الخارجية لدول الاتحاد الاوربي) فابريس ليجيري الذين يطالبون ببناء سجون ترحيل في البؤر الساخنة في ايطاليا واليونان وذلك لمنع اللاجئين من دخول أراضي الاتحاد الاوربي عبر حدوده الخارجية. البعض الاخر يريد نشر سفن فرونتيكس لمهاجمة سفن تهريب اللاجئين، وهو أمر سيضع حياة اللاجئين في خطر محقق.

وتصدر على ذات النغمة اقتراحات من قبيل ماطرحه ماركوس زاوندر من تغيير للدستور الألماني لتقييد حق طلب اللجوء بحصص محددة، وهذا يعتبر خرقا واضحا لمعاهدة جنيف. كما تعتبر منظمات حقوق الانسان الاقتراحات الجديدة الصادرة من وزير الداخلية دي ماتسيير غير دستورية وغير مناسبة إطلاقا لحل أزمة اللاجئين، إذ انها على أقل تقدير ستصيب اللاجئين بالذعر حين يحسون بأن بوابات اوربا ستوصد بوجههم.

لقد بدأ البعض يدرك أن هجرة اللاجئين الجماعية هذه تشابه الهجرات الجماعية في العصور التاريخية السابقة. إنها نتيجة لعقود من السياسات الفاشلة والحروب الجيوسياسية لكل من بوش واوباما في جنوب غرب آسيا، وهي حروب كانت مبنية على أكاذيب. كما انها نتيجة لسياسة فرض الشروط من قبل صندوق النقد الدولي على الأمم والتي نتج عنها إحباط عملية   التنمية الاقتصادية، وخلقت البيئة المناسبة لنمو الارهاب والتطرف نتيجة للفقر الذي خلفته ورائها.

إن محرد التفكير في امكانية معالجة هذا الوضع المنهار كليا من خلال بناء “سور لايميز” (سور بناه الرومان لصد هجمات من اعتبرتهم برابرة في الشمال والجنوب) حول اوربا هو بحد ذاته تفكير شاذ ويعبر بالنهاية عن الافلاس الاخلاقي والسياسي للمنادين به. كان تم طرح هذه الفكرة عام 1991 في مقالة للكاتب الفرنسي جان كريستوف روفان بعنوان “الامبراطورية والبرابرة الجدد: شرخ بين الشمال والجنوب”. هل من المعقول أن تصبح صورة أطفال اللاجئين المرعوبين بين سور الناتو الشائك والغازات المسيلة للدموع، الذين هم بالأساس ضحايا سياسة فاشلة، هل من المعقول أن تصبح صور اللاجئين المصابين بالرصاص والغارقين أمرا عاديا في عالم اليوم؟

كتبت صحيفة دي فيلت الالمانية في معرض إشارتها إلى مظاهرات حركة بيجيدا المعادية للأجانب وحوادث إحراق مراكز استقبال لاجئين أن السيدة ميركل لن تتمكن من البقاء سياسيا في العامين القادين إلا إذا سيطرت على مشكلة اللاجئين. إن هذا تقييم صحيح، وأكثر دقة في ضوء حقيقة أن النظام المالي عبر الأطلسي قد ينهار في أية لحظة وقد تتبخر فقاعة المشتقات المالية الهائلة في عملية انهيار فائقة للعادة، كما دلت على ذلك أزمة انهيار أسهم شركة جلينكور العملاقة. يجب على كل أنسان صاحب عقل أن يدرك أن الفوضى التي ستنجم عن من مثل هذا الانهيار ستدمر كل الأسس التي بني عليها المجتمع وتقلب كل الحسابات المتعلقة بمسألة اللاجئين رأسا على عقب.

نقلة نوعية جديدة

هنالك مخرج من الأزمة، لكنه يتطلب نقلة نوعية جديدة شاملة وطريقة تفكير جديدة كليا. فقط إذا أعقبت العمليات العسكرية الروسية والان الصينية في سوريا وربما العراق برامج اقتصادية شاملة لإعادة الاعمار، برامج من شأنها فعليا تنمية منطقة جنوب غرب آسيا التي تم قصفها وإعادتها الى العصر الحجري، برامج تسمح للناس هناك بأن يكون لهم المستقبل الذي حرموا منه اليوم، حينذاك فقط سيمكن وقف الهجرة الجماعية. ذات الامر ينطبق على أفريقيا.

مبكرا في عام 2012 قام معهد شيللر بوضع برنامج شامل لتنمية جنوب اوربا ومنطقة البحر المتوسط وجنوب غرب آسيا وأفريقيا بناء على مشاريع تنمية سابقة. في عام 2014 قام اعضاء معهد شيللر العاملون في مجلة إكزكتف انتلجنس ريفيو (مجلتنا هذه) بنشر تقرير “طريق الحرير الجديد يصبح الجسر القاري العالمي”، وأدرجت فيه برامج التنمية تلك.

الفكرة الاساسية هي تطوير مجمل منطقة جنوب غرب آسيا عبر برنامج تنمية اقتصادية شامل، ويتضمن تشجير الصحاري ووقف زحفها عبر بناء مشاريع مياه عملاقة منها تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة النووية وتعجيل سقوط الامطار عبر عمليات التأيين الاصطناعي بالتوازي مع بناء شبكات بنية تحتية للنقل والمياه والطاقة متكاملة ومشاريع زراعية وصناعية، وبناء مدن جديدة بحيث تتغير خصائص الاقليم الاقتصادية والمناخية بشكل جذري.

فقط بالقضاء على الفقر، والاهم من ذلك إذا تم منح الشباب، خاصة الذكور منهم، رؤية واضحة وحقيقية للمستقبل سيمكن التخلص من مشكلة الارهاب والتطرف. بطبيعة الحال يجب قطع جميع مصادر تمويل الارهاب، على سبيل المثال زراعة المخدرات في افغانستان وبعض الجمعيات “الخيرية” الوهابية.

من الواضح أن عملية تغيير كهذه ممكنة فقط إذا عملت جميع الأمم الكبيرة المجاورة لهذه المنطقة مثل روسيا والصين والهند وايران ومصر والامم الاوربية ـ ومن المؤمل الولايات المتحدة أيضا ـ يدا بيد. لوقف الهجرات الجماعية من جنوب غرب اسيا وافريقيا يجب وضع الفكر الجيوسياسي على الرف، واستبداله بالأهداف المشتركة للجنس البشري. من بين تلك الاهداف القضاء على الارهاب الذي يهدد، بالاضافة إلى تلك المنطقة، اوربا وروسيا والصين والهند والولايات المتحدة. كما أن أحد الأهداف هو منع أزمة اللاجئين من أن تتسبب في تحطيم أسس المجتمع الاوربي.

بالاضافة إلى تبني منظور تنموي، يجب معالجة مشكلة اندماج اللاجئين الموجودين فعلا على الاراضي الاوربية فورا. يوجد في المانيا اليوم 54 مليون فردا يشكلون اليد العاملة. سيتناقص العدد ليصبح 29 مليون في عام 2050، والوضع في معظم الدول الاوربية شبيه بالوضع الألماني. إن دمج هذه القوة العاملة الجديدة الوافدة إلى اوربا يصب في مصلحتنا الأساسية.

لماذا لا يسمح للشباب القادرين على العمل من اللاجئين الجدد الانخراط فورا في بناء نصف مليون وحدة سكنية (في المانيا) مدعومة حكوميا؟ يمكن توفير التمويل من خلال “مؤسسة الائتمانات لإعادة البناء” (Kreditanstalt fuer Wiederaufbau)  مثلما مولت هذه المؤسسة معجزة إعادة بناء الاقتصاد الالماني بعد الحرب العالمية الثانية، وسيكون لهذا المشروع ذات التأثير الاقتصادي على المجتمع الالماني. إن مجرد الاعلان عن هذا المشروع، بالتوازي مع تمديد طريق الحرير الجديد نحو منطقة جنوب غرب آسيا وافريقيا سيقضي على حالة اليأس والقلق من المستقبل، ويشيع روح التفاؤل.

إن على المشككين من ذوي النفوس الضعيفة أن يسألوا أنفسهم السؤال التالي: هل يمكن أن تستمر السياسة الحالية تجاه الشرق الاوسط وأفريقيا الى الأبد؟

على الجانب الايجابي للأمور: بانطلاق السياسة الصينية لبناء طريق الحرير الجديد والعرض الذي قدمه الرئيس الصيني شي جينبينج لتعاون “رابح ـ رابح” (المنفعة المتبادلة) للتعاون لبناء طريق الحرير الجديد، يكون لدينا من الآن الإطار المطلوب للرؤية التي طرحناها هنا. إن كون تقرير “طريق الحرير الجديد يصبح الجسر القاري العالمي” قد تمت ترجمته للغة الصينية وطباعته في الصين قبل أيام معدودة حيث لاقى دعما حماسيا من قبل عشرة ممثلين لمؤسسات اقتصادية صينية رفيعة في المؤتمر الصحفي لتدشينه، يبرهن أن هذه الرؤية تملك فرصة حقيقية للتطبيق، حيث يمكن الاعتماد على دعم وتعاون الصين وروسيا والهند لحل مشكلة اللاجئين بطريقة جديدة كليا. كل ما هو مطلوب هو الامساك بهذه الفرصة.