حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2015/10/24

خطة إعادة إعمار سوريا

مصنف تحت مقالات — 1:07 م

Discussion points on the Reconstruction of Syria

by Ulf Sandmark and Hussein Askary, EIR, Stockholm

إعادة بناء سوريا. محاور نقاش حول إعادة بناء سوريا

إعداد: أولف ساندمارك وحسين العسكري

مؤسسة إكزكتف إنتلجنس ريفيو الاخبارية

Executive Intelligence Review

www.larouchepub.com

تم تحضير وثيقة “محاور النقاش لعملية إعادة بناء سوريا” هذه استجابة لاستفسارات بعض مؤسسات الدولة السورية. جاءت هذه الاستفسارات في سياق زيارة إلى دمشق قام بها وفد مكون من معهد شيللر ومؤسسة إكزتف إنتلجنس ريفيو وأعضاء من لجنة الدفاع عن سوريا السويدية السورية، ولقائها بمسؤولين في الحكومة السورية في ديسمبر عام 2014. ومثل معهد شيللر ومؤسسة إكزكتف انتلجنس ريفيو في هذه الزيارة أولف ساندمارك الذي شارك في كتابة هذه الوثيقة مع حسين العسكري محرر الموقع العربي لإكزكتف اتلجنس ريفيو والكاتب في مجلتها الاسبوعبة الصادرة في الولايات المتحدة.

هذه الوثيقة هي مشروع تحت التطوير وسيتم تحديثها باستمرار.

لماذا نناقش إعادة البناء والحرب المدمرة مستعرة؟

الأمل يجعل من المرء إنسانا. إن الأمل في إعادة بناء البلد يحفز القدرات الإبداعية للإنسان، والإبداع هو ما يجعل روحه أقرب إلى الرب الخالق.

حينما يرفع الانسان السوري بصره نحو رؤيا مرحلة إعادة الإعمار والتنمية في فترة ما بعد الحرب، فإن الأمة السورية ستكون قادرة على أن تبرهن بأوضح وسيلة على نظرتها للإنسان، بخلاف الشر والتدمير العبثي الذي يمثله عدوها. هذا لن يثبت فقط لنا وللعالم، بل وايضا لأولئك الأعداء إن كانوا قادرين على التفكير أن حربهم لن تقود لأي خير أو فائدة لهم أنفسهم. إن خطة إعادة البناء ستواجه هؤلاء الأعداء بحقيقة أنه سيكون لهم ولأولادهم مستقبلا أفضل إذا تعاونوا مع الحكومة بدلا من الاستمرار في شن الحرب عليها.

إن الأمل في مستقبل سوريا هو سلاح سوريا الأنجع والأقوى في مواجهة تشاؤم وعدمية ولاإنسانية العدو.

من يملك الأمل ومن فاقده؟

إن منظمة بلدان البريكس (مكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) قد أدخلت نصف سكان العالم في المنظمة التي سخرت نفسها لتحقيق نقطة تحول نحو التنمية والرفاهية لنفسها وللعالم. إن منظمة البريكس قد نجحت أخيرا في وضع قوة منظمة وراء الأمال والطموحات التي حلمت بها دول العالم الثالث في إعلان باندونج لمنظمة عدم الانحياز عام 1977 وهي إخراج العالم من آفة الفقر والاستعمار.

إن العالم الغربي، بخلاف سوريا ودول منظومة البريكس، تحت سيطرة نظام العولمة المالي المفلس الذي بلغت قيمة أصوله المالية الورقية (يعني التزاماته أو ديونه) 2 كوادرليون دولار، و 90 بالمئة منها هي مجرد مضاربات مالية. إن هذه لعبة مالية هرمية بلا نظير في تاريخ العالم، ويتم تعويمها من بواسطة تدفقات رأسمالية من البنوك المركزية وميزانيات الدول. إن الحالة اليائسة لهذا النظام المالي في الغرب قد ضغطت على السياسيين للسماح بعملية نهب واسعة النطاق لمواطنيها ولاقتصادها الحقيقي.

تمثل الأزمة اليونانية نموذجا لعملية النهب هذه، لكن كان لها تأثيرا تدميريا أكبر في دول العالم الثالث. لكن لم يعد سهلا على البنوك الغربية نهب أمم البريكس بعد الآن. إن الطريق الوحيدة لممارسة عملية النهب اليوم ضد دول البريكس ومن يتحالف معها هي طريقة زعزعة أمنها وإشاعة الفوضي فيها عبر الإرهاب والحروب الاقليمية التي يمكن أن تنتشر إلى كل دول آسيا الوسطى ومن هناك إلى الصين والهند وروسيا لكسر قدرة هذه الامم الكبرى على المقاومة وتولي زمام القيادة. إن سوريا هي في الخندق الأمامي لهذه السياسة المسماة الجيوبوليتيك (جيوسياسة)، وهي أسلوب الامبراطورية البريطانية القديمة لإخضاع الأمم المنافسة لها والقوى الصاعدة في العالم. بما أن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تدعم هذا المذهب الجيوسياسي البريطاني، فإن التهديد باستخدام الترسانة النووية الأمريكية يدخل في قائمة وسائل الابتزاز، وهو الأمر الذي يضع العالم بأكمله أمام هاوية كارثة عالمية فورية.

إن ما يواجه سوريا والأمم المنكوبة بالحروب اليوم هي القوى الاستعمارية القديمة التي فقدت كل أمل في نظامها المالي الغربي، مستخدمة الإرهاب وسياسة تغيير الأنظمة السياسية. إن ما يمكنه إيقاف سياسة الحرب جذريا هو إيجاد حل للازمة المالية، وذلك عبر سياسة إصلاح للبنوك والبدء بإعادة تشغيل الاقتصاد الفيزيائي الفعلي للأمم الغربية ذاتها. توجد هذه المقترحات مطروحة من قبل السياسي الأمريكي وعالم الاقتصاد ليندون لاروش وزوجته هيلجا لاروش ومعهد شيللر العالمي الذي تترأسه. لقد بدأ العديد من السياسيين الغربيين بالتحرك لدعم هذه المقترحات لحل الأزمة المالية. أما الأمل الأكبر للعالم فهو الدفعة الكبرى التي تقدمها دول مجموعة البريكس لتحقيق نقلة نوعية جديدة في التنمية العالمية. إن هذه القوى لاتزال قادرة إذا تآزرت لتحويل مجرى السياسة الاوربية والامريكية بعيدا عن الحرب. إن المقاومة البطولية التي تبديها جمهورية سوريا العربية ضد القوى الامبريالية هي، لهذا السبب، جزء من الصراع العسكري والاقتصادي في آن واحد. إن هذه المقاومة توحد شعوب العالم جميعها في استعادة الأمل والنضال من أجل نظام اقتصادي عالمي عادل وجديد.

كيف يمكن تمويل إعادة إعمار أمة دمرتها الحرب؟

إن الحرية التي تناضل سوريا من أجلها هي أساس اقتصاد سوريا وحقها في خلق الإئتمانات والنقد. إن للشعب والأرض والموارد الطبيعية قدرات كامنة هائلة. يمكن رفع هذه القدرات الكامنة حتى إلى مستويات أعلى عبر خطة إعادة إعمار وتنمية.

قد يحتاج الفلاح أو المقاول إلى إئتمان (قرض) من شخص آخر أو جهة أخرى ليحول امكانيته الكامنة إلى فعلية. بمقدور أمة حرة أن تقرر بنفسها أن تجعل قدراتها الكامنة أمرا واقعا. يتم ذلك حينما تقرر الأمة أن تمنح نفسها حقا إئتمانيا، مستخدمةً قدراتها الانتاجية المستقبلية كضمان لذلك الإئتمان (القرض). لإنجاز ذلك يجب تأسيس نظام مالي، يسمى “النظام الإئتماني”.

تكمن المفارقة التاريخية هنا في أن مثل هذا “النظام الائتماني” هو الذي جعل تأسيس الولايات المتحدة كأمة موحدة ممكنا وساعدها على البقاء في السنين الأولى بعد تأسيسها. قام الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن فيما بعد باستخدام ذات النظام المالي أثناء الحرب الاهلية الأمريكية، ومن بعده الرئيس فرانكلن ديلانو روزفيلت من عام 1933 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. تمت بعد ذلك الاستفادة منه في ألمانيا الغربية وكوريا الجنوبية لتمويل معجزة إعادة إعمار اقتصاديهما المدمرين بعد الحرب العالمية الثانية. إن الولايات المتحدة الامريكية تنهار اقتصاديا اليوم لأنها هجرت ذلك النظام الناجح (بعد اغتيال الرئيس جون كيندي)، وهي تحاول الآن أن تمنع دول البريكس من استخدامه.

تم تأسيس النظام الائتماني بعد انتصار الولايات الأمريكية في حرب التحرير ضد الاستعمار البريطاني في عام 1786. إتباعا لنصيحة وزير المالية الامريكي الأول أليكساندر هاملتون، منح الكونجرس الأمريكي حق إصدار الاتمانات للبنك الوطني الأمريكي الذي نسق عملية إعادة الإعمار والتنمية الوطنية. واستقرت قيمة العملة الوطنية بسرعة وكذلك ديون الولايات التي نتجت عن الحرب، وذلك حينما تم توجيه الائتمانات الجديدة نحو المشاريع الانتاجية ذات الاولوية لدى حكومة الولايات المتحدة. تمكن رجال الاعمال الذين تم تكليفهم ببناء المشاريع من الشروع بأعمالهم مباشرة حالا حين حصلوا على تلك الائتمانات. بهذه الطريقة تم تحشيد كل طاقات الأمة إلى أقصى حد وتنامت نتيجة لذلك، بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت قد خرجت لتوها من الحرب المدمرة.

القاعدة الأساسية لنظام الائتمانات الهاملتوني (نسبة إلى اليكساندر هاملتون) هو مفهوم القيمة باعتبارها نابعة من القدرات الكامنة للمستقبل، وليس من الحالة المنهارة الحالية. من وجهة النظر هذه، يمكن اعتبار سوريا بلدا غنيا بمقدوره أن يمول ذاتيا القدر الأكبر من مجهود إعادة الإعمار لتحقيق القدرة المستقبلية لسوريا.

كيف يتم خلق الإئتمانات الهاملتونية لغرض إعادة الإعمار؟

إن نقطة الانطلاق لنظام الائتمانات هو إعلان خطة إعادة الإعمار والتنمية الذي يوضح خطوة بخطوة عن ما تنوي الأمة انجازه في موعد محدد في المستقبل. بوجود هذه الخطة كركيزة يكون بمقدور الحكومة إصدار كمية الإئتمانات المطلوبة لتشغيل كل ما توفر من اليد العاملة والأدوات والمواد الأساسية. تمنح الحكومة التراخيص لكل مشروع ليتم الشروع به وفي ذات الوقت توفر الإئتمانات. يمكن تنفيذ وإدارة المشاريع أما من قبل شركات القطاع الخاص أو مؤسسات الدولة حسب الحاجة والقدرة والكفاءة.

لأجل إصدار مثل هذه الإتمانات الموجهة لإعاجة الإعمار تحتاج الحكومة للبنك المركزي وأيضا لبنك جديد مخصص لإعادة الإعمار. بإمكان الأمة السورية أن توفر رأس المال الأولي الضروري لبنك إعادة الإعمار، بذات الطريقة التي اتبعتها مصر مؤخرا في تحشييد شعبها لتمويل قناة السويس الجديدة، وذلك بإصدار سندات خاصة يشتريها المواطنون السوريون في الداخل والمهجر.

سيكون لدى بنك إعادة الإعمار، بهذه الطريقة، رأسمال كافي يمكنه من إصدار إئتمانات. ينبغي للدولة السورية الاحتفاظ بالغالبية المسيطرة من السندات في بنك إعادة الإعمار. إلى جانب خط الإئتمانات هذا، يجب على البنك المركزي أيضا إصدار “إئتمانات هاملتونية” موجهة لبنك إعادة الإعمار. بواسطة هذه الإتمانات الإضافية (بين البنك المركزي وبنك إعادة الإعمار) سيكون بمقدور الدولة أن تدير ما يكفي من الإئتمانات لتحقيق أسرع عملية إعادة بناء ممكنة.

حينما تمنح الدولة الترخيص لمشروع ما، يقوم بنك إعادة الإعمار بإطلاق ما يلزم من الإئتمانات إلى حساب مصرفي خاص بذلك المشروع. تقوم مؤسسات الدولة أو الشركات الخاصة التي حصلت على عقد البناء من الدولة باستخدام ذلك الحساب المصرفي لدفع ما يلزم من نفقات شراء مستلزمات المشروع من مواد ومكائن وأدوات ودفع أجور العمال. تستمر هذه العملية حتى إنجاز المشروع. يكون المشروع المنجز هو ضمانة جميع الائتمانات الجديدة الصادرة من بنك إعادة الإعمار.

كيف يمكن تحفيز البنوك الخاصة للمشاركة في عملية إعادة الإعمار؟

إن حق إصدار الإئتمانات هو مورد طبيعي لأي أمة لكي يتم استخدامه تحت سيطرة الدولة من أجل إعادة الإعمار. ولا يجب إطلاقا إعادة تدوير تلك الإتمانات في المضاربات أو الألاعيب المالية الهرمية كما تفعل ذلك البنوك الغربية الآن في أسواق العولمة المالية العالمية. لذلك يجب عدم السماح قانونا للبنوك التجارية (Commercial Banks) بممارسة النشاطات الاستثمارية مثل مزاولة التداول بالأسهم والأوراق المالية أو إصدار السندات والأوراق المالية. هذا لا يعني تحريم البنوك الاستثمارية (Investment Banks)، بل يعني فصل البنك التجاري عن أي نشاط استثماري من ناحية الملكية أو الموظفين أو مجالس إدارة الينوك والحسابات وغيره وفصله فصلا تاما عن أي بنك استثماري.

كان في الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس فرانكلن روزفيلت إلى عام 1999 قانون صريح “لفصل البنوك” وكان يسمى “قانون جلاس ستيجال” (*1)، وينص على فصل تام بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية. طالما كان ذلك القانون معمولا به لم تكن هناك مخاطر من اندلاع أزمة نظامية للنظام المصرفي والمالي الأمريكي كما حصل في عام 2008 وإلى الآن. بتشريع مثل هذا القانون في سوريا، سيمكن تحفيز البنوك التجارية للمشاركة في عملية إعادة الإعمار. حينها فقط سيمكن إعادة تدوير الإئتمانات من بنك إعادة الإعمار لتخلق بذلك موجات ثانوية جديدة في الاقتصاد الفيزيائي الحقيقي، حيث سيضاف رأس مال المصارف التجارية إلى عملية البناء عن طريق إقراض الشركات المشاركة في العملية أو تمرير جزء من إئتمانات (أموال) بنك إعادة الإعمار عبر حساب خاص في البنك التجاري الخاص إلى الشركات. ولا ينبغي لبنك إعادة الإعمار ولا البنك التجاري إصدار كميات أموال أكبر مما هو مطلوب للشروع في المشروع المحدد وإنجازه. علاوة على ذلك وطوال المدة التي تجري فيها عملية إعادة الإعمار، يجب السيطرة على إئتمانات البنوك الخاصة بحزم، بحيث يتم توجيهها وفقا لخطة إعادة الإعمار الى أصناف القروض المخصصة لتوفير المواد الضرورية التي تحتاجها الشركات الصناعية والانشائية والزراعية والسكان.

ماهي وظيفة البنك التجاري الخاص؟

بوجود نظام بنوك تجارية مقنن بقوانين تنظم عمل هذه البنوك، سيكون بنك إعادة البناء قادرا على استخدام البنوك الخاصة لتحويل إئتماناته عبرها إلى رجال الأعمال الذين يحصلون على عقود مشايع إعادة البناء وتنظيم حساباتهم ومدفوعاتهم. في هذه الحالة يذهب رجل الأعمال أو سيدة الأعمال الحاملين لعقد مع الدولة إلى بنكهم المحلي الذي بدوره يقدم طلبا إلى بنك إعادة الإعمار للحصول على المبلغ المخصص للمشروع المرخص له.

هل الأمة مجبرة على الاقتراض من الخارج لتعيد إعمار اقتصادها؟

إن خاصية النظام البنكي الهاملتوني هي أنه يُمَكّن استغلال جميع الموارد البشرية والطبيعية أستغلالا أقصى، لكنه لا يستطيع دفع تكاليف ما يجب استيراده من الخارج. لكي يتم تسديد كلفة تلك الصادرات ستكون هناك حاجة إلى دخل بالدرجة الأولى. لكن ذلك بحد ذاته لن يكون كافيا لجهود إعادة الإعمار والتنمية. ستحتاج سوريا إلى قروض هائلة بالعملة الأجنبية لكي تتمكن من استيراد ما تحتاجه من مكائن ومعدات. يمكن ربط هذه القروض بخطة إعادة الإعمار وبالقيمة المتوخاة من المشاريع التي ستمولها هذه القروض. بهذه الطريقة يمكن تكييف هذه القروض ونسب الفائدة المرتبطة بها مع إمكانيات التسديد طويلة الأمد التي ستستمد من المشروع ذاته.

لا يمكن لسوريا ولا ينبغي لها التعويل على الحصول على أية قروض كبيرة من المؤسسات المالية الغربية المأزومة. لكن مع ذلك، هناك طريقة أخرى للحصول على الإئتمانات بالعملة الأجنبية حتى في خضم أزمة مالية، وذلك من خلال اتفاقيات تجارية ثنائية مع الدول الغربية (كل دولة على حدة وليس مع الاتحاد الاوربي مجتمعا مثلا). بهذه الطريقة يمكن لإحدى هذه الدول أن تقرر إصدار إئتمان حكومي بعملتها لتمويل عملية تصدير مكائن أو معدات أو مواد منها إلى سوريا. يمكن أن تؤمن مجموعة من هذه الاتفاقيات التجارية مع الدول المهتمة بالأمر ما تحتاجه سوريا من واردات من الخارج لإنجاز عملية إعادة البناء.

لقد أسست دول مجموعة البريكس مؤخرا “بنك التنمية الجديد” وهو جاهز لتوفير الإئتمانات وفقا للنقلة النوعية التي حققتها من أجل بناء نظام اقتصادي عالمي عادل وجديد. سيوفر “بنك التنمية الجديد” الإئتمانات وفقا للقدرة الكامنة المستقبلية للمشاريع، وليس من منظور القدرة الحالية على تسديد الديون للدول التي تحصل على هذه القروض للبدء بالمشروع. ذات المبدأ يتم تطبيقه من قبل العديد من صناديق التنمية الجديدة التي تم تأسيسها مؤخرا لدعم مشاريع طريق الحرير الجديد. هنا سيكون لسوريا المستقلة امكانية كبيرة للحصول على التمويل بالعملة الأجنبية لمشاريع البنية التحتية الاساسية الكبرى.

طالما أن المديونية للخارج في هذه الطفرة النوعية الجديدة تتناسب مع المشاريع الجديدة التي يتم تحقيقها، فهذه مديونية حسنة. وذلك بخلاف المديونية التي تأتي من حاجة دولة فقيرة الى القروض الأجنبية لتسديد ديون قديمة أو لشراء الغذاء أو الوقود أو المواد الاستهلاكية التي تستهلك وتنتهي بدون بناء أو انتاج شيء جديد. كلما ازدادت المديونية لرفع القدرة الكامنة المستقبلية للأمة كلما كان ذلك أحسن. مثل هذا الدين لن يكون قيد عبودية بل مقياسا لما تستثمره سوريا في بناء مستقبلها.

ماهي القدرات الكامنة التي ستنطلق في سوريا من خلال نظام إئتمانات؟

1. السكان هم الحاضنة الأساسية لكل الامكانيات.

بدون إعطاء الأولية لتوفير الغذاء والإسكان الطارئ والرعاية الصحية والتعليم والعمل لن يمكن إطلاق العنان للامكانيات الكامنة للسكان. لهذا، يجب تحشيد كل الأمكانيات المتاحة والضرورية لكل الأمة من أعلى مستويات مؤسسات الدولة إلى أدنى مستوى للإدارة المحلية. بوجود نظام إئتمانات يمكن حتى للإدارات المحلية (المحافظات أو البلديات) أن تستفيد من الإئتمانات المباشرة من “بنك إعادة الإعمار”، وذلك بالإضافة الى مواردها ودخلها المحلية. سيؤدي ذلك إلى تحريك جميع الموارد البشرية والمادية المتوفرة محليا في بناء المدارس والمستشفيات وأنظمة الطاقة والمياه بالإضافة إلى وسائل انتاج الغذاء والحاجيات الأساسية الأخرى التي دمرتها الحرب أو أعاقتها. كما يمكن توجيه هذه الإئتمانات محليا الى أصحاب الأعمال الموجودين في تلك المنطقة الذين يرغبون في تأسيس شركات جديدة لتشغيلهم والاستفادة من خبرتهم وامكانياتهم.

على المستوى الوطني السوري، يدلل استهداف العدو لجميع الصناعات الدوائية وتدميرها بالكامل على أهميتها الاستراتيجية القصوى، وذات الأمر ينسحب على قطاع النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية. كما تعتبر عملية إعادة بناء زراعة القطن والصناعات النسيجية المرتبطة واجبا أساسيا في عملية إعادة الإعمار. ويجب التركيز على الصناعات الاستراتيجية التي لها امكانيات سابقة وخبرة ويد عاملة محلية. كما يمكن تمويل فيالق العمل المكونة من العاطلين عن العمل بتدريبهم وتأهيلهم للعمل في مشاريع البناء العامة مثل الإسكان والبنية التحتية، بحيث سيكونون بعد تخرجهم وانجاز المشاريع التي يعملون بها ضمن خطة إعادة الإعمار عمالا مهرة يمكنهم العمل في أي مجال جديد. ويمكن لوحدة الهندسة العسكرية في الجيش أن تلعب دور المؤسسة التعليمية لفيالق العمال وبذلك الاستمرار في الدفاع عن سوريا لكن عبر بنائها هذه المرة.

2. إعادة بناء البنية التحتية والصناعات ذات القدرة.

يمكن لسوريا أن تستخدم الإئتمانات الصادرة من “بنك إعادة الإعمار” لتمويل عملية إعادة بناء البنية التحتية الأساسية: الطاقة، المياه، النقل والاتصالات. يمكن التوسع في إصدار الإئتمانات إلى أن يتم تشغيل كل اليد العاملة والمواد والمكائن المتوفرة في البلد بشكل كامل. يجب توجيه وتنظيم عملية بناء البنية التحتية لتنظيم ما يمكن تسميته “منصة بنية تحتية” على أعلى مستوى تقني وانتاجي ممكن. إن تجربة الحرب التي استخدمت فيها أكثر الاسلحة تطورا من الكترونيات ومعادن وأجهزة رصد وتسديد وغيرها وتغيير استخدام المكائن والآلات المستخدمة في الصناعة الحربية إلى صناعات مدنية على نفس المستوى من التكنولوجيا. كما ينبغي استخدام تقنيات جديدة للايتفادة القصوى من موارد النفط والغاز الاستراتيجية لتطوير صناعات كيمياوية مثل الأسمدة والصناعات البلاستيكية والحديد والأدوية بحيث تكون القيمة المضافة لهذه المنتجات أضعاف قيمة النفط والغاز الخام. أما في سياق الطفرة النوعية التي أحدثتها مجموعة البريكس سيكون بالإمكان إعادة بناء البرنامج النووي السوري الذي استهدفته إسرائيل، وسيكون له دورا كبيرا في انتاج الطاقة وتحلية مياه البحر وخلق مجالات تقنية وعلمية عديدة كناتج ثانوي للبرنامج النووي.

3. فرص التكنولوجيا الجديدة في عملية إعادة الإعمار.

يجب توجيه الاهتمام والإئتمانات نحو إيجاد فرص لتحقيق طفرات في الارتقاء التقني حين يتم استبدال المعدات القديمة المدمرة بأخرى جديدة في كل حال. على سبيل المثال، يمكن إضافة أسلاك الفايبر للاتصالات حين يتم نصب أسلاك شبكات الطاقة الكهربائية الجديدة. سيكون المعيار الاساسي لتحديد أي التقنيات ينبغي استخدامها هو كثافة الطاقة فيها. فكما تكون زيادة كثافة الطاقة في سلاح الجندي بالنظر إلى الدقة والطاقة المركزة على كل سنتمتر مربع ذات تأثير على العدو، يكون تركيز الطاقة أو كثافتها هي المعيار لزيادة انتاجية العامل المدني في وقت السلم، وهي المقياس لأعلى ربحية ممكنة في الاقتصاد الفيزيائي. والمقصود بمفهوم كثافة الطاقة هو كمية الطاقة التي يمكن تركيزها في مساحة عمل ما. مثلا المرجل البخاري العامل بالفحم يستخدم كثافة أقل لتحريك ماكنة معينة مقارنة بماكنة تعمل بالديزل او الكهرباء. عملية قطع المعادن بواسطة منشار يستخدم كثافة أقل للطاقة على مساحة الجسم العدني المراد قطعه من أداة قطع تستخدم شعلة ليزر. فكثافة طاقة او تركيز الطاقة المستخدمة في شعلة الليزر على المساحة المحدةة للقطعة المعدنية تفوق بأضعاف مضاعفة منشارا يستخدم الطاقة البشرية أو الطاقة الميكانيكية.

4. الاستفادة من طريق الحرير الجديد في سوريا.

إن الامكانيات المتاحة لربط البنية التحتية الأساسية السورية بطرق النقل والتجارة بين البحر المتوسط والمحيط الهندي والبحر الأحمر وبحر قزوين والبحر الأسود كانت جزءا من الرؤية التي طرحها الرئيس بشار الأسد قبل هذه الحرب تحت مسمى “استراتيجية البحار الخمسة”.

إن النمو  الهائل لدول مجموعة البريكس وكل مبادراتها لتنمية وبناء استراتيجية “طريق الحرير الجديد” في البر والبحر سيشع عبر سوريا إذا كانت هذه الرؤية هي البوصلة التي تحدد اتجاه عملية تخطيط مشاريع البنية التحتية الجديدة في سوريا. إن “طريق الحرير الجديد” هو ليس مجرد واسطة نقل أو طريقا تجاريا، بل نموذج جديد لتحقيق التنمية الاقتصادية في أرجاء واسعة من قارات آسيا واوربا وأفريقيا بواسطة فتح “ممرات تنمية” يتجه بعضها من الشرق الى الغرب والاخر من الشمال إلى الجنوب عبر كل قارة أوراسيا وحتى إلى افريقيا. يتكون “ممر التنمية” بالإضافة إلى شبكات سكك حديد، من تشكيلة واسعة من شبكات البنى التحتية الأساسية مثل أنابيب النفط والغاز والمياه وتأسيس مناطق صناعية وزراعية جديدة بالإضافة إلى مجمعات سكانية ومدن جديدة. إن الطفرة النوعية التي يحدثها “طريق الحرير الجديد” اليوم تضع أحلاما عن تشجير الصحراء على طاولة البحث الاقتصادية والعلمية العملية. إن مكافحة التصحر ومحاولة تقليص تأثير أو إيقاف العواصف الرملية والترابية واستصلاح أراضي صحراوية للزراعة والرعي قد تكون مشروعا مشتركا يجمع الدول المتصارعة في المنطقة حول مشروع تعاوني موحد للاستفادة القصوى من الموارد المائية الموجودة في المنطقة ككل وخلق مصادر جديدة عبر تحلية مياه البحر على سبيل المثال.

كيف سيمتد طريق الحرير الجديد عبر سوريا؟

1. عبر بغداد وطهران:

إن استراتيجية الصين الحالية لتطوير طريق الحرير القديم المسماة رسميا “حزام واحد وطريق واحد” وتحويله إلى ممرات تنمية باستخدام طرق النقل والبنية التحتية الحديثة، بدأ بالوصول إلى أوربا وكذلك إلى جنوب غرب آسيا وإلى أفريقيا عبر مصر. سيتم بناء طريق بري بسكك حديد عبر إيران من مشهد في الغرب إلى كرمنشاه أو باختران في الشرق وإلى بغداد وعمان ثم إلى مصر عبر عمان وخليج العقبة. ويتم حاليا التخطيط لبناء نفق أو جسر بين السعودية وشرم الشيخ المصرية ليصل إلى العاصمة المصرية القاهرة. سيمر هذا الطريق القاري بالقرب من سوريا ويجعل من السهل ارتباط سوريا عبر دير الزور بامتداد نهر الفرات إلى بغداد. بهذا الشكل سيتم إعادة بناء طريق الحرير القديم الذي كان يمتد من البصرة في العراق إلى بلاد الشام عبلا نهر الفرات، لكن هذه المرة عبر سكة حديد حديثة وأنابيب نقل الطاقة النفك والغاز من الخليج إلى المناطق الصناعية في الرقة وحلب. هذا الخط سيكون الجزء الاساسي من ممر التنمية لسوريا.

سيكون هذا الممر جزءا مهما من عملية إنجاز استراتيجية “البحار الخمسة” حيث سيربط سوريا بالخليج والبحر العربي والمحيط الهندي. إن سكك الحديد بين طهران وبغداد وسوريا ستجلب التجارة على الطريق البري لطريق الحرير من الصين والهند. إن طريق الحرير الجديد الأوسط الذي يربط غرب الصين ودول آسيا الوسطى يمر عبر طهران. كما أن الطريق التجاري بين الهند وايران وروسيا المسمى “ممر النقل شمال ـ جنوب” الذي ينطلق من الهند عبر ميناء تشابهار في جنوب شرق إيران عبر الشبكة الايرانية نحو القوقاز وروسيا، سيكون إضافة جديدة لطريق الحرير الجديد ويمكن ربط سوريا بشبه القارة الهندية عبره. سيكون خط طهران – بغداد – دمشق هو الاخر جزءا من تحقيق استراتيجية البحار الخمسة حيث سيربط سوريا ببحر قزوين.

ستكون البصرة في العراق جزءا من عملية ربط سوريا بالساحل الغربي للخليج عبر الكويت والسعودية والامارات. سيرتبط هذا الخط في المستقبل بعمان واليمن. كل هذه الخطوط التجارية ستستمر نحو سوريا والبحر المتوسط بحريا إلى وأوربا وبريا عبر تركيا. لكنه سيكون جزءا مهما من عملية تنمية المناطق المدمرة في إدلب وتنمية وتوسيع ميناء طرطوس. الخطوة التالية ستكون فتح طريق الحرير القديم عبر دير الزور ومدينة تدمر الأسطورية التي كانت المحطة الغربية لطريق الحرير القديم القادم من الصين. من هناك سيستمر الخط من بغداد إلى دمشق وبيروت.قبل الحرب هذه، كانت مدينة تدمر التاريخية تحتضن مهرجانا سنويا حول طريق الحرير.

2. خط دمشق ـ القاهرة.

إن عملية التنمية الحيوية الجارية في مصر الآن، التي ستتوج ببناء مناطق صناعية ضخمة جديدة على ضفاف قناة السويس الجديدة، ستصل إلى سوريا حينما يتم ربط منطقة السويس بالعقبة وعمان عبر سيناء التي بدورها ستنمو. ويجب إعادة بناء سكة حديد دمشق ـ عمان (التي كانت جزءا من “طريق الحجاز” في بدايات القرن العشرين) وشمالا عبر المدن السورية الكبيرة حمص وحماة وحلب. بهذه الطريقة سيتم ربط منطقة البحر الأحمر بشبكة بنية تحتية بسوريا والعراق والشاطيء الشرقي للبحر المتوسط. كما أن المشاريع المستقبلية لمصر مثل ممر التنمية أو الممر الأفريقي لربط دول حوض النيل عبر السودان وأثيوبيا وكينيا ودول البحيرات العظمى، سيقرب أفريقيا بأكملها من المشرق العربي.

حين تتم إعادة بناء “طريق الحجاز” بسكك حديد حديثة وقطارات عالية السرعة، ستصبح دمشق نقطة أنطلاق مجددا نحو مكة والمدينة. ومن خلال هذا الطريق الذي سيستمر جنوبا نحو اليمن عبر السعودية سيتم فتح منفذ جديد بين المشرق العربي وآسيا إلى شرق أفريقيا عبر مضيق باب المندب وجيبوتي.

كما سيتم استئناف مشروع ربط شبكة الغاز الطبيعي العربي من مصر إلى سوريا ولبنان الذي سيرتبط عند حمص بخط الغاز العراقي الأيراني مشكلا شبكة غاز شرق أوسطية موحدة ستكون مصدرا للطاقة والمواد الأولية لمختلف الصناعات الحديثة في سويا وجيرانها، بالإضافة إلى فتح بوابة تصدير إلى أوربا عبر الموانئ السورية. وستستفيد سوريا مرتين، مرة باستخدام هذا الغاز ومرة بالحصول على أجور العبور (الترانزيت) لهذا الغاز المصدر إلى اوربا.

3. الرابط الشمالي من أوربا، البحر الأسود وروسيا.

حينما تفتح الحدود السورية التركية مجددا، سيصبح الشمال السوري مركز تقاطع الطرق لسكك الحديد عالية السرعة بين أوروبا ومصر وأفريقيا. هذه الحقيقة ستجلب طاقة جدبدة الى المناطق المدمرة بالحرب في الشمال السوري وحلب وحمص وحماة. في كل واحدة من هذه المدن يمكن بناء منظومة نقل جديدة بسرعة باستخدام أحدث تقنيات سكك الحديد مثل القطار المغناطيسي (ماجليف). لهذه المنظومة المغناطيسية سرعة وكفاءة عالية وكثافة طاقة أعلى. كما أنها يمكن بنائها على جسور ترتفع عن الأرض على أعمدة لتجنب التقاطع مع حركة الطرق وغيرها من شبكات البنية التحتية على الأرض وكذلك تجنب حفر وتدمير الآثار التاريخية المطمورة تحت سطح الأرض في حال بناء شبكة مترو انفاق مثلا. مثل هذه المشكلة هي التي أدت إلى عدم الشروع ببناء شبكة مترو أنفاق في دمشق مثلا. إن شبكة النقل المحلية وغيرها من البنى التحتية الأساسية سيدمج المدن هذه وأريافها في ممر تنمية شمالي ـ جنوبي عبر غرب سوريا كلها مستفيدا من حركة النقل بين اوروبا وافريقيا.

بالإضافة إلى ذلك، سيمكن ربط خطوط التجارة بين الصين واوربا على خط “طريق الحرير الجديد” الأوسط المار بإيران والعراق إلى تركيا والذي يتقاطع مع “الممر الشمالي الجنوبي” من روسيا إلى الهند عبر القوقاز واذربيجان وإيران، سيمكن ربطه بسوريا. كما سيرتبط البحر الأسود بسوريا عبر ميناء سامسون في شمال تركيا الذي يعتبر المحطة النهائية “لخط الفايكينج” الجديد المومع بناؤه الآن والممتد من ميناء كلايبيدا في لتوانيا على بحر البلطيق والذي سيجلب التجارة من السويد واسكندنافيا ومنطقة بحر البلطيق الى البحر الأسود والشرق الأوسط.

4. رابط البحر المتوسط.

بعد افتتاح قناة السويس الجديدة في شهر أغسطس من هذا العام، ستتمكن السفن العملاقة من جلب شحنات هائلة من السلع التجارية من الصين على “طريق الحرير البحري” إلى منطقة البحر المتوسط. ويتم الآن التخطيط وبناء سلسلة موانيء عملاقة جديدة في الشاطيء الاوربي للبحر المتوسط مثلا في بيرايوس في اليونان وكروتون وجيويا في جنوب ايطاليا، لاستيعاب هذا الحجم الجديد من التجارة، حيث يتم بناء سكك حديد عالية السرعة من جنوب أوربا عبر جبال الألب إلى شمال اوربا وعبر دول البلقان أيضا، مثلا بواسطة من ثيسالونيكي على طول نهر أكسيوس/ فاردار ودرينا شمالا حتى يصل إلى الشريان الرئيسي للنقل النهري الاوربي على نهر الدانوب. ويستوعب ممر الدانوب جزءا من حركة التجارة والنقل الهائلة مع منطقة نهر الراين الكبرى في المانيا وهولندا. يمكن أن تستفيد سوريا من جزء من هذه التجارة الهائلة عبر مينائي طرطوس واللاذقية اللذين ينبغي توسيعهما وتحديثهما.

ينبغي أن تتحول كل منطقة حوض البحر المتوسط إلى منطقة تنمية اقتصادية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية والبطالة المستشرية في جنوب اوربا وشمال افريقيا. ولتمكين ذلك قام فريق عمل من مؤسستنا “إكزكتف إنتلجنس ريفيو” بوضع خطة مارشال جديدة للمنطقة بعنوان “برنامج لتحقيق معجزة اقتصادية في جنوب أوربا ومنطقة البحر المتوسط وأفريقيا”، وفيها العديد من المشاريع المستقبلية مثل بناء نفقك بين تونس وصقلية ونفق بين طنجة المغربية واسبانيا  تحت مضيق جبل طارق. لن يمكن التغلب على افتي الارهاب والفقر التي تنتج عنها موجات الهجرية الجماعية من شمال افريقيا إلا بالتنمية الاقتصادية الحقيقية كما هو مشار إليها هنا.

ستقوم مصر ببناء محطة طاقة نووية بالتعاون مع روسيا في منطقة الضبعة على الساحل الشمالي الغربي وذلك لأجل انتاج الطاقة وتحلية مياه البحر وبناء منطقة تنمية صناعية وزراعية. يمكن بناء محطات تحلية المياه في مناطق أخرى تعيش أزمة مياه قاتلة مثل قطاع غزة الفلسطيني الذي ستختفي منه المياه الصالحة للشرب بشكل شبه تام في المستقبل القريب. ذات الأمر ينطبق على دول شمال افريقيا وحتى الأردن ولبنان وسوريا. وقد وقع الأردن اتفاقية مع روسيا لبناء أول محطة نووية كبيرة لذات الغرض.

خلاصة:

لأجل وقف الحرب المدمرة في سوريا والعراق وليبيا، لا بد من أن تذعن اوربا والولايات المتحدة للحاجة الملحة للتعاون مع دول البريكس حول هذه البرامج الانمائية. بهذه الطريقة ستتمكن الدول الغربية ذاتها من البدء بإعادة بناء اقتصادياتها المأزومة نفسها، بدلا من الوقوع في فخ الحروب الأقليمية والعالمية والانهيار الاقتصادي التام بسبب إفلاس النظام المالي والمصرفي الغربي. إن هذه الخطة ليست مجرد مساعدة من الخارج لسوريا أو دول المنطقة، بل هي عملية نوعية لإحداث نقلة نوعية في طبيعة النظام العالمي الاقتصادي والسياسي على حد سواء، بحيث تستفيد جميع الأطراف كما عبر عن ذلك الرئيس الصيني شي جينبينج بوصفه برنامج “حزام واحد، طريق واحد” بقوله أنه يمثل سياسة “رابح ـ رابح” حيث تستفيد جميع الأطراف من التعاون، وبخلافه تخسر بسبب التنازع.

خرائط مرفقة:

الجسر القاري العالمي، من التقرير الخاص الصادر من مؤسسة إكزكتف إنتلجنس ريفيو عام 2014  بعنوان “طريق الحرير الجديد يتحول إلى الجسر القاري العالمي”. رابط: http://worldlandbridge.com/

  1. برنامج تنمية منطقة البحر المتوسط: من التقرير الخاص الصادر من مؤسسة إكزكتف إنتلجنس ريفيو عام 2012 بعنوان “برنامج لمعجزة إقتصادية لجنوب أوربا والبحر المتوسط وأفريقيا”. الرابط:

http://www.larouchepub.com/special_report/2012/spec_rpt_program_medit.pdf

  1. سوريا والبحار الخمسة وطريق الحرير.

 

(1*) تم سن قانون جلاس ستيجال (Glass-Steagall نسبة لعضوي الكونجرس اللذان تبنيا أول مسودة لمشروع القانون كارتر جلاس وهنري ستيجال) في عام 1933 في عهد الرئيس فرانكلن روزفيلت كوسيلة لإعادة العمل بالنظام المصرفي الامريكي الأصلي وهو نظام أليكساندر هاملتون (Alexander Hamilton) المبني على أساس تحمل الدولة مسؤولية السيطرة على العملة والإئتمانات وتوجيهها نحو تطوير الاقتصاد الفيزيائي للأمة وليس جني الارباح لثلة من المصرفيين والتجار والمضاربين الذين دمروا اقتصاد الولايات المتحدة بالتعاون مع مصرفيي لندن في العشرينات من القرن الماضي وادخلوا الولايات المتحدة والعالم في الكساد العظيم. وكان قانون جلاس ستيجال قد فرق بين المصارف التجارية (commercial banks)  والشركات المالية أو المصارف الاستثمارية (investment banks) ووضع المصارف التجارية التي يودع فيها المواطنين اموالهم وتقرضها البنوك للافراد والشركات لنشاطات اقتصادية فعلية تحت حماية الدولة وضماناتهاوتعويضاتها، بينما لا تحضى الشركات المالية المضاربية بتلك الحماية لأن نشاطاتها مضاربية تخريبية. وقد وفر هذا القانون الاستقرار المالي والمصرفي للولايات المتحدة الذي مكن الرئيس روزفيلت من شن حملته الاعمارية الكبرى في ذلك العقد وأحيا اقتصاد الولايات المتحدة كأكبر وأقوى اقتصاد صناعي في العالم، وكل ذلك عن طريق إئتمانات حكومية طويلة الامد وبفائدة منخفضة موجهة نحو بناء مشاريع بنى تحتية عملاقة كالسدود وسكك الحديد والطرق وقنوات المياه والمستشفيات والمدارس وجلب الطاقة الكهربائية للريف الزراعي الامريكي.

وقد كان إلغاء ذلك القانون عام 1999 في الكونجرس بتحريض ودفع من وول ستريت وعميلها في إدارة كلنتون وزير المالية لاري سامرز ورئيس بنك الاحتياط الفدرالي الان جرينسبان، خيانة للولايات المتحدة وتراثها القومي الاقتصادي والسياسي الفريد، حسب رأي ليندون لاروش. واليوم يخدم سامرز كمستشار اقتصادي أول للرئيس باراك اوباما الذي يطالب لاروش بعزله هو أيضا.

ولكن اليوم تتعالى الأصوات في الكونجرس والشارع الامريكي بإعادة العمل بذلك القانون في ظل الانهيار المالي والاقتصادي الجاري وأيضا انكشاف النظام المصرفي الانجلوامريكي باعتباره عملية احتيال كبرى لم يشهد التاريخ لها مثيلا.

ويقترح لاروش وضع جميع البنوك والمؤسسات المالية الامريكية تحت إجراءات افلاس حيث يتم التحقيق في جميع حساباتها وبحيث يتم عزل الاوراق المالية المضاربية الزائفة عن الأصول المالية ذات العلاقة بعمليات اقتصادية أو تجارية مشروعة. أما الزائف فيجب إلغاؤه أو تجميده إلى أجل غير مسمى، وأما الصالح فتتم المحافظة عليه وحمايته بضمانات من قبل الدولة لضمان عدم انهيار كل النظام المصرفي، عن طريق إزالة الورم السرطاني المضاربي. ولا يتم تعويض مالكي الاوراق المالية الزائفة إطلاقا حسب هذا القانون.

وهذا هو خلاف ما قامت به إدارتا الرئيسين بوش الابن واوباما وأيضا الحكومات الاوربية منذ اندلاع الازمة هذه عام 2007-2008 حيث عوضت المصارف والمؤسسات المالية عن جميع خسائرها في عمليات المضاربات المالية غير القانونية في الواقع. وقد كلف ذلك دافعي الضرائب الامريكيين والاوربيين والحكومات ترليونات من الدولارات لتعويض مضاربات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وحتى ذلك لم ينجح في انقاذ هذا النظام لأنه كان مفلسا ومتعفنا من الأساس.

 

***