حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2016/08/25

فيديو: دول البريكس تؤسس نظاما عالميا جديدا

Filed under: مقالات — 1:27 م

فيديو من انتاج معهد شيللر

دول البريكس تؤسس نظاما عالميا جديدا

هيلجا لاروش

 

مقالة في الاتحاد الاماراتية حول تقرير طريق الحرير الجديد

Filed under: مقالات — 1:18 م

نقلا عن

الاتحاد الاماراتية

12 مايو 2016

أيُّ عالم جديد جميل وشجاع!

محمد عارف

«قناة نيكاراغوا» تمتد من مصب نهر «بريتو» على ساحل المحيط الهادئ إلى مصب نهر «بونتا غوردا» على ساحل الأطلسي. أعدّ خرائط القناة التي يبلغ طولها 278 كيلومتراً، مهندسون أميركيون قبل 118 عاماً، وبادرت «نيكاراغوا» إلى إنشائها عام 2014، وتضم القناة التي يتوقع إكمالها خلال 5 أعوام، ميناءين، ومطاراً دولياً، ومصانع إسمنت وحديد وصلب. وهي واحدة من 27 مشروعاً مماثلاً تنشئ «شبكة الجسر البري العالمي» عبر ممّرات وأنفاق ومضائق وقنوات تربط بين جميع القارات. وأطول وأعمق نفق للقطارات في العالم «سايكان» طوله 54 كلم، ويربط على عمق 100 متر تحت قاع البحر جزيرة «هونشو» اليابانية باليابسة. وسيتفوق عليه «نفق بوهاي» في الصين، الذي يبلغ طوله 100 كلم، ويتسع لسكة قطارات فائقة السرعة بين مدينتي «داليان» و«يانتاي» الصناعيتين، وعدد سكان كل منهما 7 ملايين، وسيكون النفق عند إكماله عام 2020 الأطول في العالم.

وأيُّ عالم جديد وجميل أنشأ «نفق البوسفور» في مضيق «اسطنبول» المخصص لسكك حديد تربط أوروبا وآسيا، وينقل حالياً 3 ملايين راكب يومياً، ويبلغ طوله 14 كلم، ويضم أعمق بنية أنابيب غاطسة في العالم. اقتُرح إنشاء النفق عام 1860، ولم يُبن إلاّ عام 2013، ويُوصفُ بأنه «طريق الحرير الحديدي» إشارة إلى «طريق الحرير» الذي كان يربط قبل ألف عام شرق آسيا بالعالم العربي وأوروبا.

وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي يُقام حالياً أطول جسر في العالم، ألا وهو «جسر مضيق مالاقة» الذي سيربط بين ماليزيا وإندونيسيا وطوله الكلي 71 كلم.

وأيُّ عالم شجاع يُخططُ له وقت احتدام المشاعر حول الهجرة المليونية عبر المتوسط. خريطة «رابط إيطاليا-تونس» تقيم أربع جزر صناعية تربط البر الإيطالي بجزيرة صقلية، وتمتد مسافة 155 كلم بين صقلية وتونس، عبر أطول جسر معلق في العالم، وخمسة أنفاق للمسافرين وشحن البضائع في الاتجاهين، وللخدمات والطوارئ. وفيما تُنفق واشنطن تريليونات الدولارات لتدمير الجسور المادية والروحية بين البلدان والأمم، شقّ المصريون قناة سويس ثانية عام 2014 تضم محوراً عملاقاً للخدمات اللوجستية على أعلى مستوى عالمي، يُقلص ساعات مرور السفن عبر القناة من 11 إلى 3 ساعات، وساهم الشعب المصري بتمويل بناء القناة الذي بلغ 8 مليارات دولار، ويُعتبر طفرة في تمويل مشاريع البنية التحتية باستخدام الائتمانات الوطنية وليس الأجنبية.

و«من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي»، عنوان الكتاب الذي تضمن 200 خريطة، وصدرت طبعته العربية في احتفال بمقر وزارة النقل المصرية بالقاهرة، وبرعاية الوزير سعد الجيوشي في مارس الماضي. وفي محاضرة بمقر «هيئة قناة السويس» تَحَدَثَ الباحث العراقي السويدي حسين العسكري، الذي ساهم في تأليف الكتاب وترجمته، عن فلسفة «ممرات التنمية» التي تُغني البلدان، فيما يترنحُ «اقتصاد الجيوبولوتيك» القائم على الاستعباد والاستبعاد.

ومع أن معظم مؤلفي الكتاب باحثون أميركيون، فهو بمثابة دليل نظام عالمي جديد تلعب فيه الصين وروسيا و«دول البريكس» دوراً قيادياً. ويعتمد الكتاب «الاقتصاد الفيزيائي» الذي طوّره العالم الأميركي «ليندون لاروش» وناهض به اقتصاد «كازينو القمار»، حيث بلغت «فقاعة المشتقات المالية» 2 «كوادريليون» دولار، أي ما يعادل العدد واحد وإلى يمينه 24 صفراً، قد تنفجر في أيّ لحظة وتودي بالاقتصاد المالي العالمي. و«لاروش» عالم وفيلسوف شجاع رشح نفسه أربع مرات لرئاسة الولايات المتحدة، وفيما حابى المرشح الحالي «دونالد ترامب» اللوبي الصهيوني «آيباك»، فضحه «لاروش» قبل ربع قرن في كتاب دخل السجن بسببه، وهناك وضع كتابه المترجم للعربية «هل تريد معرفة كل شيء عن علم الاقتصاد؟».

(الاتحاد) الاماراتية

 

كلمة بمناسبة افتتاح قراءات تقرير طريق الحرير الجديد في اليمن

Filed under: مقالات — 1:08 م

إأرسل حسين العسكري، مترجم وأحد مؤلفي تقرير “من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي”، هذه الكلمة وألقيت في المهرجان الذي أقيم في العاصمة اليمنية صنعاء بمناسبة بدء القراءات العامة للتقرير برعاية المكتب الإستشاري اليمني للتنسيق مع بريكس، وذلك في يوم 12 أبريل 2016،

وننشر هذه الكلمة مع قرب إكتمال سلسلة حلقات القراءة هذه الأسبوع القادم، في يوم الثلاثاء 30 أغسطس

يمكن متابعة عمل المكتب الاستشاري اليمني للتنسيق مع بريكس على الموقع التالي

http://www.alfouadsolutions.com/home.html

أخواتي وأخوتي المجتمعين في صنعاء اليوم،

لا يسع المرء إلا أن يقف منحنيا مطأطئا هامته أمام الشعب اليمني، بأطفاله ونسائه وشيوخه ورجاله، بكل تواضع إجلالا وإكبارا لهم على صمودهم الإسطوري وصبرهم ومقاوتهم.

كما أود أن أقف إجلالا أمام هذا التجمع الفريد من مفكرين وشعراء واقتصاديين وناشطين سياسيين وسيدات ورجال أعمال الذين ينجزون، في ظروف الحرب، ما تعجز عنه مجتمعات مرفهة تنعم بالسلام والأمان، لكنها غير قادرة على الإبداع.

وأتقدم بخالص التهنئة لصديقي العزيز المستشار فؤاد الغفاري على مثابرته وإصراره الفريد على انجاز ما تم إنجازه في المكتب الإستشاري للتنسيق مع بريكس وترويجه للطبعة العربية لتقريرنا “من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي”، تحت نار القصف وهدير المدافع وقرع طبول الحرب. لكن كل ذلك لم يثنه عن رسالته. فله منا كل التقدير والإحترام.

كما يشرفني أن تتم قراءة هذا التقرير برعاية وأمام عملاق الأدب العربي واليمني الدكتور عبدالعزيز المقالح.

إن للشعراء والأدباء مكان مميز في رفعة الأمم وعصور نهضة الحضارات، فبدونهم لا يملك المجتمع الخيال أو الأدوات اللغوية والصورية للفكر والعلم وكيف ينقلها من جيل إلى جيل أو من حضارة إلى أخرى.

لهذا اختارت السيدة هيلجا لاروش، سيدة طريق الحرير، إسم وفكر شاعر الحرية الألماني فريدريش شيللر (1759-1805)، عند تأسيسها لمعهدنا في عام 1984 ليكون دليلنا في طريق فهم التاريخ والعلوم والإقتصاد والثقافة.

يقول شيللر في إحدى قصائده المبكرة:

ثلاثةُ دروسٍ سأكتُبُها،

وثلاثُ كلماتٍ سأخُطُّها بقلمٍ ملتهب

وخطوطٍ تطبعُ النورَ الأبدي

على قلوبِ الناس.

 

تَمَسّك بالأمل. حتى وإن أحاطت بالكونَ الغيوم،

وأخفَتِ البهجةُ ازدراءً وَجهَها عن العيون،

فارفع الظِلالَ عن حاجبيك،

فلا ليلٌ لا يَليهُ صباح.

 

تحلّى بالإيمان. فكُلّما أبحر زورقك،

تَسَلّى بالسكينةِ، وكُن جَذِلاً عند هُبوبِ العاصفة.

إعلَم، أن الرّبَ يحكُمُ جنودَ السماء

والساكنين على الأرض.

 

كُن مُحِباً. ليس حُبا لإنسانٍ واحدٍ فحسب،

بل لكلِ الناس، واتّخِذ كلَ الناسِ إخوانا.

وانثُر، كما الشمسِ التي تدور،

محبتك على الكل.

 

فأحفر هذه الدروسَ على صفحةِ قلبِك:

الأملَ، والإيمانَ، والحبَ ـ وستجِدُ

القوةَ حينما تدور دائرةُ الزمان،

وستجدُ النورَ حينما يلُفّكَ الظلام.

 

(ترجمتي المتواضعة من الانجليزية)

 

ويقول شيللر أيضا: “تتكشف الحقيقة أمام الحكماء، والجمال أمام القلوب الحساسة”، لكنه يضيف “فقط عبر بوابة فجر الجمال، يمكنك العبور إلى أرض المعرفة.”

لهذا تجد أعظم علماء التاريخ من فيثاغوراس إلى أفلاطون وابن سينا والفارابي والكندي ويوهانس كيبلر وآينشتاين، يسبرون أغوار الموسيقى بحثا عن الجمال الذي فيه مفتاح العقول والأكوان.

وهكذا لا يوجد في علم الإقتصاد الفيزيائي الذي وضعه عالم الاقتصاد الامريكي ليندون لاروش، جدران أو أسوار بين علم الفيزياء والفلك والكيمياء والموسيقى والشعر. فكلها وكل المعارف الإنسانية كتلة فكرية واحدة يثري بعضها البعض، ويفتح بعضها أبواب الحقيقة أمام البعض الآخر.

وروائع الأدب العالمي ثرية بالمعارف عن طبيعة الإنسان والكون، والصور المجازية التي ترد فيها لا تختلف عن الإكتشافات العلمية في مجال البيولوجيا والفلك والفيزياء في أهميتها، إلا أنها تخص طبيعة فهم الإنسان لهذا الكون والمعارف والقوانين، وليس القوانين ذاتها بتفاصيلها. يصف لنا الكاتب المسرحي الإغريقي أسخيلوس في رائعته “بروميثيوس مغلولا”، نمطين من الفكر الإنساني سيطرا على التاريخ وتناوبا على قيادة العالم في فترات الذروة للحضارة الإنسانية وفترات الحضيض. النمط الأول هو الفكر الإنساني الذي يمثله بروميثيوس الذي سرق النار من الألهة الأولمبيين وأهداها هي ومعارفها الأخرى لبني البشر ليحررهم من عبوديتهم وأغلالهم. أما النمط الأوليجاركي أو الإ مبريالي فيتمثل بالإله زيوس الذي عاقب بروميثيوس على عمله هذا بربطه على صخرة على قمة جبل يأكل نسر كل يوم كبده، ثم يلتأم جرح بروميثيوس في المساء، لكن يعود النسر مرة ثانية في النهار التالي وهكذا في عذاب أبدي. هذا هو الصراع الأساسي في التاريخ البشري، بين من ينشرون العلم والمعرفة لجميع البشر، ومن يحتكرونها لأنفسهم ومنفعتهم الذاتية فقط ويحرمون بقية البشر منها، وهم مستعدون لشن الحروب وقتل ملايين البشر لهذا الهدف.

 

يختصر لاروش للتبسيط علم الاقتصاد الفيزيائي في جملة واحدة هي : “زيادة سلطان الإنسان في الطبيعة والكون”. يفتتح لاروش كتابه الأساسي في علم الاقتصاد كالآتي:

“إنَّ أول عملٍ مكتوبٍ في موضوعِ الاقتصاد هو كتابُ سِفرِ التكوين (في الكتاب المقدس). إذ يأتي البلاغ للإنسان في سفر التكوين بان لا يكسب عيشه إلا بكد عمله اليومي. كما يُأمَرُ الإنسان أن يكون مثمراً ويتكاثر نسله ليملأ الأرض، وان يبسط سلطانه على جميع المخلوقات والأشياء في الطبيعة. نصيحة ممتازة. إن المجتمعات التي رفضت هذه النصيحة وخالفتها لم، ولن، يكتب لها البقاء طويلا”.

قد يشعر البعض أن هذا المفهوم لا يختلف عن مفهوم “الاستخلاف” في الإسلام كما يرد في القرآن الكريم، وهم محقون في ذلك، إذ ليس هنالك أي اختلاف إطلاقا بين هذه الفكرة وفكرة الاستخلاف.

المشكلة التي تقود إلى سوء الفهم أو عدم الفهم في أمور الحياة الكبرى هي الفصل ما بين غرض حياة الإنسان والسياسة والاقتصاد والمعرفة. إن أهم المبادئ التي تبنى عليها الحضارة الإنسانية وفق منظور لاروش هي:

أ) قدسية الإنسان واختلافه عن البهائم.

ب) قدرة الإنسان على الاكتشاف والتزود بالمعرفة.

ج) تنظيم المجتمع على أساس المفهومين السابقين.

 

إن قدرة الإنسان على زيادة قدراته الإبداعية والإنتاجية نابعة من قدرته على اكتشاف قوانين الكون، واستخدام تلك المعرفة في صنع تقنيات وأدوات لتطويع تلك القوانين لفائدته. يقول عالم البيولوجيا والجيولوجيا الروسي الأوكراني فلاديمير فيرنادسكي (1863-1945) عن اكتشاف الإنسان للنار واستخدامها، أنها أول مرة يقوم كائن عضوي حي بتطويع قوة من قوى الطبيعة.

إن الخطأ الأكبر الذي يتم ارتكابه اليوم هو الخلط ما بين نظام الحياة العضوي للانسان وارتباطه بالطبيعة (الايكولوجيا) وبين النظام الايكولوجي للحيوانات. فوفقا لنظرية توماس مالثوس البريطانية الاستعمارية لا يوجد فرق بين الاثنين، حيث أن تزايد أعداد الحيوانات أو البشر في بيئة حياتية ما يكون نموا هندسيا (أي 1، 2، 4، 8، 16، إلخ) ويؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية (الغذاء مثلا) التي لا تتزايد إلا حسابيا (1، 2، 3، 4، 5…) وبالتالي وصول المجتمع إلى طريق مسدود وتعرضه لنقص الغذاء والمجاعة، ثم تتولى الطبيعة عملية التخلص من “الفائض” السكاني (بالموت). يصح هذا الأمر فقط بين البهائم، لكن الاكتشاف العلمي والتقدم التقني يمكن المجتمع الانساني من زيادة انتاجه من الغذاء على ذات رقعة الأرض ليتوافق مع الزيادة في عدد السكان (وأيضا البهائم الموجودة تحت رعايته).

ولكي يحل مالثوس هذه المفارقة القاتلة لنظريته الزائفة، طالب في كتاباته بتحديد التقدم العلمي لعامة الناس وتحديد النسل! وكانت الامبراطورية البريطانية قد طبقت هذه الأساليب بتفنن على شعوب مستعمراتها في الهند وأفريقيا.

بخلاف ذلك، تكون علاقة الانسان بالطبيعة وما يسمى قاعدة الموارد الطبيعية مرتبطة بشكل كامل بالمستوى العلمي والفكري والأخلاقي للمجتمع. ففي كل مرة يكتشف الانسان قانون فيزيائي كوني أو تقنية جديدة أو موارد جديدة لم تكن معروفة أو مدرجة في قائمة موارده السابقة يتغير تعريفه لشكل وحجم قاعدة الموارد الطبيعية. إن استخدام الانسان للطاقة هو أحسن مثال على ذلك. فتعريف الانسان في العصر الحجري لموارد الطاقة كان محدودا بقدرته العضلية وكمية الحطب الذي يستطيع جمعه وإحراقه. عندما اكتشف الانسان الفحم والفحم الحجري تغير العالم من حوله، وبدأ يستخدم الفحم لصحر المعادن وصناعة الآلات، وبعد ذلك باكتشاف واستغلال طاقة الرياح والمياه، تغيرت محدودية الموارد الطبيعية ومرة أخرى مع النفط والغاز الطبيعي ثم الطاقة الانشطارية النووية، أما بإدخال تقنية الدمج النووي فسيكون للانسان كمية غير محدودة نسبيا من الطاقة. والمفارقة هي أنه في كل مرة تحدث فيها قفزة علمية أو تقنية تصبح الكمية أو الكتلة المستخدمة من قشرة الأرض لانتاج طاقة أكبر، أصغر فأصغر، إذ يعطينا غرام من اليورانيوم مثلا ألاف المرات من الطاقة مما يعطيه النفط وملايين المرات مما يعطيه الفحم. مفارقة مثيرة!

لنأخذ مثالا بسيطا: كوكب الأرض. هل الفكر الإنساني والإبداع العلمي جزء من عملية التغير الجيولوجي لكوكب الأرض؟ هذه الفكرة طرحها بشكل علمي دقيق لأول مرة عالم الجيولوجيا الروسي / الاوكرايني فلاديمير فيرنادسكي  في النصف الأول من القرن الماضي. وهي من الأفكار التي تقع في جوهر النظرية الاقتصادية السياسية لليندون لاروش. يقول لاروش أن لأفكار العالم الروسي فيرنادسكي الفضل في فتح أفق جديد في نظرية الارتقاء الطبيعي على كوكب الأرض، والتي تفند وتطيح بنظرية تشارلس داروين في ارتقاء الأنواع باعتبارها مجرد أنواع بيولوجية صرف كما يرتقي الإنسان من القرود إذ تعني نظرية داروين ان الإنسان ليس مخلوقاً مميزا وليس له كرامة خاصة، بل هو مجرد حيوان سياسي أو اجتماعي تسيره الغرائز الحيوانية. نظرية الارتقاء الطبيعي التي جاء بها فيرنادسكي تفترض تقسيم المكونات الطبيعية في الكون إلى ثلاثة أقسام:

1ـ غير حية مثل الجمادات والمواد الكيمياوية والجيولوجية (الليتوسفير).

2ـ المكونات الحية وتشمل كافة الكائنات العضوية من نباتات وحيوانات وبكتيريا وغيرها الموجودة في “البيوسفير” أي المجال الحيوي.

3. المرتبة الأعلى فوق هاتين المرتبتين هي “النووسفير” (من كلمة نووس اليونانية وتعني الإدراك الانساني) أي المجال العقلي وفيه يوجد الإنسان المفكر القادر على اكتشاف قوانين الكون واستيعابها ونقلها إلى الآخرين وتحويلها إلى فعل فيزيائي في شكل وسائل إنتاج وتقنيات تغير من مستواه الحياتي وتغير محيطه وبيئته في نفس الوقت.

منذ مليارات السنين تقوم النباتات والكائنات الحية بامتصاص وتحويل المعادن والاملاح والمكونات الكيمياوية الأخرى في قشرة الأرض والغلاف الجوي إلى جزء من وجودها العضوي فيصبح القسم غير الحي من قشرة الأرض جزءا من عملية الحياة في الكائنات الحية. بهذا تكون الكائنات الحية مهيمنة على ما هو غير حي وأعلى مرتبة منها في الوجود. ويكون المجال الفكري مهيمنا على الإثنين وأعلى مرتبة منهما.

وينتج من هذه الفكرة أن عملية التغيير في الكون وفي غلاف الكرة الأرضية مرت عبر مليارات السنين بعملية تطور موجهة نحو المزيد من التركيز والمزيد من التعقيد، وفي فترة ما اصبح الكون مهيئا لاستقبال الكائنات الحية الأكثر تعقيداً مثل الثدييات ومن ثم أصبح مهيئا لاستقبال الإنسان. وبمجيء الإنسان إلى هذه البيئة ازدادت عملية التغيير تسارعا وتركيزاً حيث دخل عامل الفكر والاكتشاف العلمي والتكنولوجيا في عملية التغيير الطبيعي. لذلك، وبخلاف نظريات حركات حماية البيئية التي تعتبر الإنسان مجرد طفيلي مخرب، تعتبر هذه  النظرية أن التطور الاقتصادي الذي جاء به الإنسان ويغير فعلا من البيئة التي يعيش فيها ويجعلها اكثر ملائمة لوجوده هي عملية “طبيعية” بكل معنى الكلمة. فترك الطبيعة على حالها ليس أمرا طبيعيا. أما “التوازن البيئي” بين مكونات الطبيعة الذي يتحدث عنه البيئويون فلم ولن يوجد في الكون إطلاقا، فهو متجه منذ الأزل نحو المزيد من التغيير والتسارع والتعقيد.

فمثلا المجتمعات التي تعيش في مناطق جافة وتحاول أن تجلب المياه من أعماق الأرض أو أماكن أخرى أو تحلي مياه البحر لإحياء ارض ميتة وجعل البيئة اكثر ملائمة لأبنائها هي مجتمعات تساهم في عملية تطور هذه البيئة على كوكب الأرض. وهذه عملية تطور طبيعي حقيقية وليست دخيلة على الطبيعة كما هو شائع اليوم. لذلك فإن فكرة لاروش في بناء الجسر البري الاوربي الاسيوي الافريقي وتعمير المساحات الهائلة غير المأهولة من كوكب الأرض مثل الصحاري الجرداء في أفريقيا والعالم العربي أو سيبيريا، هي جزء لا يتجزأ من رسالة الإنسان وسبب من أسباب وجوده سواء من الناحية الطبيعية أو من الناحية الفلسفية والدينية.

ليس فقط كوكب الأرض هو موطننا الأزلي، فبانطلاق الانسان المدرك نحو الفضاء ووصوله إلى القمر وكوكب المريخ قريبا أصبحت المجموعة الشمسية كلها وطنا لنا. استيطان الفضاء لن يكون أمرا سهلا، لكن هذا بالضبط ما يحتاجه الانسان، تحديات كبرى تحفزه على الإبتكار والابداع لفتح آفاق جديدة. ويمكن أن يبدأ المشروع ببناء مستوطنات ومحطات انطلاق على سطح القمر أولا. وكما يقول عالم الفضاء الألماني الراحل كرافت إيريكه في قوانينه الثلاثة:

1. ليس هنالك حدود في ظل القانون الطبيعي سوى تلك الحدود التي يضعها الانسان أمام نفسه.

2. ليست الأرض وحدها هي موطن الانسان بل كل المجموعة الشمسية وما وراءها هي حقل النشاط الطبيعي للانسان.

3. إن الإنسان بانطلاقه في الكون باستخدام قدراته العقلية الإبداعية والقانون الأخلاقي الراسخ في فطرته، يكون قد أدى رسالته المصيرية كعنصر من عناصر الحياة.

أخواتي وإخوتي،

لقد تطرقنا بشي من التفصيل إلى الأمور أعلاه، حتى نتجنب الوقوع في الفهم المغلوط للإقتصاد باعتباره دراسة الأمور النقدية والمالية والمادية، أو علاقة العرض والطلب الميكانيكية. لهذا عندما نتحدث عن بناء طريق الحرير الجديد أو الجسر البري العالمي وبناء البنية التحتية الأساسية، فإننا نفهم من ذلك أنه جزء من بناء الإنسان والمجتمع والثقافة والحضارة، وليس فقط تطوير وتنظيم علاقات الإنتاج.

لهذا نحن سعداء بوجود الشعراء والأدباء في تجمعكم هذا إلى جانب العلماء والاقتصاديين وسيدات ورجال الأعمال ليكون التوجه صحيحا وصحيا منذ لحظة الإنطلاق.

إننا كلنا ثقة بأن عملية إعادة إعمار اليمن ودمجه في المنظومة العالمية الجديدة التي تقودها مجموعة دول البريكس ستكون بوجودكم في أيدي أمينة وقادرة.

نتمنى لكم كل النجاح والتوفيق، ولبلدكم الخلاص والأمان والخير.

خادمكم المتواضع

حسين العسكري

ستوكهولم،

29 مارس 2016

 

اعتذار

Filed under: مقالات — 12:54 م

نود أن نقدم اعتذارنا عن عدم تحديث الصفحة في الفترة السابقة لأسباب تقنية وعملية. ونعد القراء الأعزاء بالاستمرار بتقديم المواد باللغة العربية بشكل دوري

كما نود أن نطلب من جميع من لديه القدرة على المساعدة المادية والفكرية أن يتقدم إلينا بدعمه والتواصل عبر البريد الألكتروني

arabic.larouchepub@gmail.com

مع تحيات

محرر الموقع العربي

حسين العسكري