حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2016/09/02

قمة العشرين في الصين: تأسيس نظام عالمي جديد على طاولة البحث

مصنف تحت مقالات — 4:25 م

 

قبل انعقاد قمة مجموعة الدول العشرين التي تستضيفها الصين في مدينة هانجو في يومي 4 و 5 سبتمبر الحالي، سيكون هناك اجتماع “قمة الشرق الاقتصادية” التي يستضيفها الرئيس الروسي فلاديميربوتين في فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي يومي 2-3 سبتمبر. وكان قد سبق هاتين القمتين اجتماعات على مستوى الرؤساء بين روسيا وايران واذربيجان وتركيا والهند والعديد من الدول التي يمكن اعتبارها جزءا من المنظومة الاوراسيوية الجديدة وستلي هذه القمة مباشرة قمة دول آسيان والصين. يمكن القول أن هناك عملية لإعادة ترتيب الأوضاع الاستراتيجية والاقتصادية على مستوى عالمي، وهي عملية متمركزة على الدافع الاوراسيوي للتنمية. لكن هذه العملية لن يكتب لها النجاح إذا لم تتخلى الولايات المتحدة وأوربا عن سياسات الجيوبوليتيك الهدامة التي جلبت الحروب المدمرة إلى منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص وتهدد روسيا وجيرانها والصين بالمد التكفيري الإرهابي وتهدد الصين في سيادتها على بحر الصين وتهدد روسيا عبر بوابة اوكرانيا ودول بحر البلطيق. كذلك على الغرب تغيير سياساته المالية والاقتصادية التي اوصلت النظام العالمي واقتصاديات الغرب إلى شفير الهاوية عبر محاولة إنقاذ نظام المضاربات المالية المفلس وبنوكه على حساب مصالح ومستويات معيشة شعوبه عبر سياساته التقشفية وعدم الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي.

لقد وضح الرئيس الصيني شي جينبينج في أكثر من صورة وأكثر من مرة أنه ينوي جعل أجندة قمة مجموعة العشرين تركز بشكل رئيسي على مسألة الحاجة إلى تأسيس بنية مالية واقتصادية عالمية جديدة. في واقع الحال، تحولت الديناميكية الاقتصادية والاستراتيجية العالمية بأكملها نحو الشرق الآسيوي، حيث دأبت القوى الاسيوية منذ عدة سنوات على وضع الأسس الصحيحة لمثل هذه البنية المالية الجديدة. لقد انضم الإعلام الصيني إلى كبار المحللين الروس لتوضيح مسألة مهمة وهي أن أي نظام عالمي جديد قابل للإستدامة يجب أن يتضمن مشاركة الولايات المتحدة ـ وهذا يعني أن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن وهمها حول بسط سيطرتها على نظام عالمي أحادي اختفى في حقيقة الأمر من الوجود، وهو نظام ما كان ينبغي أن يوجد من الأساس. وصدرت إحدى التصريحات المهمة في هذا المجال عن اندري كورتينوف وهو المدير العام لمجلس الشؤون العالمية الروسي، وظهرت في نشرة لوكالة الأنباء الصينية شينخوا، وقال فيه: “كلما تأخر إجراء هذه الإصلاحات، كلما ازداد خطر وقوع أزمات جديدة وتجدد حالة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي”.

ما يعبر عنه كورتينوف هو الاعتقاد السائد بأن أوربا تقف على حافة انهيار مالي جديد سيكون له تبعات عالمية.

وذكرت وكالة الانباء المالية بلومبيرج يوم الثلاثاء الماضي (30 سبتمبر) أن مصارف مثل دويتشه بانك وباركليز وكريديت سويس مجتمعة تجلس على 105 مليار دولار من الأرصدة من ذات “المستوى الثالث” المسيلة والتي لا يمكن التخلص منها بسرعة في حال وقوع أزمة. أما مجلة الايكونوميست الصادرة في 20-26 أغسطس فقد نشرت على صفحتها الرئيسية العنوان “كابوس في ماينستريت” تحذر فيه من انفجار فقاعة سوق العقارات الأمريكية الجديدة والبالغة 26 ترليون دولار، وتقبع هذه الفقاعة على جبال من المشتقات المالية وغيرها من الأوراق المضاربية الصادرة من البنوك والشركات الاستثمارية. ومن العلامات الأخرى للانهيار المحتم للنظام المصرفي والمالي الغربي، هو محاولة اللحظة الأخيرة اليائسة لإنقاذ مصرف مونتي دي باسكي الإيطالي وهو أقدم بنك في أوربا، لكنه مجرد جزء بسيط من النظام المصرفي الإيطالي المنخور من الداخل حاله كحال معظم البنوك الأوربية الكبرى مثل دويتشه بانك التي لديها من الأوراق المالية المضاربية غير المدعومة بأصول حقيقية ما يفوق كل الناتج الإجمالي المحلي لأمم الأرض.

واختتم كورتونوف تصريحاته بدعوه “كل من روسيا والصين أن تحاولا إيجاد ارضية مشتركة مع واشنطن وتجنب الأزمات، لكن بدون تقديم تنازلات على مسائل مبدأية.” وكانت مقالة أخرى في موقع وكالة شينخوا قد هاجم “الاعتماد المفرط على السياسات النقدية” وتركيز السياسات الغربية على “الأسواق” بدلا من الإهتمام “بالأمم”، وعلى حساب السياسات الهادفة إلى النمو الاقتصادي المادي الحقيقي بالاعتماد على الإبتكارات التكنولوجية. وأعلنت وكالة شينخوا “أن الصين ستستغل هذه القمة لإطلاق حوار بين الدول النامية والمتقدمة حول فتح المجال واسعا أمام النمو الاقتصادي بناء على الإصلاحات والإبتكار”.

لقد تم وضع الأسس لمثل هذه البنية المالية والاقتصادية العالمية الجديدة عبر التكامل المتنامي في اوراسيا، وعبر التعاون الاقتصادي بين “الاتحاد الاقتصادي الأوراسيوي” ومنظمة شانجهاي للتعاون ومجموعة آسيان. أما مشروع طريق الحرير الجديد أو مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وكلاهما مبنيان على مفهوم “الجسر البري الأوراسيوي” الذي وضعه عالم الاقتصاد الأمريكي ليندون لاروش وهيلجا لاروش في بداية التسعينات، فهو المبدأ الذي بنيت عليه هذه التطورات الاوراسيوية.

وقد كان الرئيس الكازاخي نورسلطان نازارباييف قد دعا في منتدى اقتصادي عقد في العاصمة البولندية وارسو يوم الثلاثاء الماضي، دعا بولندا وروسيا إلى التوصل إلى اتفاقية مع كازاخستان لبناء ممرات نقل عبر منطقة القوقاز لتكون قطعة إضافية في فسيفساء الممرات الاوراسيوية العديدة للنقل والتنمية. كما شهدت الأسابيع الماضية تسارع مبادرات التعاون والتنسيق بين روسيا وتركيا وايران والهند في نشاطات دبلوماسية مكثفة تتمحور بشكل كبير حول مشروع “ممر النقل الشمالي الجنوبي العالمي” والذي يبدأ في الهند مرورا بالبحر العربي والخليج العربي عبر إيران والقوقاز إلى روسيا وشمال اوربا. وسيؤثر هذا الممر على حركة التجارة والتنمية في كل دول ساحل بحر قزوين وأفغانستان.

إن مثل هذه الأفكار التي يكون الكل فيها “رابح ـ رابح” (حسب وصف الرئيس الصيني) تمثل حالة تحول جذرية في الفكر ـ وعملية رفض للأفكار البالية لمفاهيم الإمبراطورية البريطانية الميتة مثل فكرة “فرق تسد”، وهي مفاهيم جلبت للعالم حربين عالميتين وحربا باردة استمرت أكثر خمسة عقود.

أما من داخل الولايات المتحدة وأوربا نفسهما، فإن حالة إفلاس مجمل المنظومة المالية والمصرفية قد وصلت إلى درجة من التقدم بحيث لا يوجد أي حل آخر سوى تطبيق قانون جلاس ستيجال لفصل البنوك عن المؤسسات المالية المضاربية وتقييدها بقوانين صارمة تمنعها من استخدام أموال المودعين إلا في النشاطات الاقتصاية الانتاجية. لكن قانون جلاس ستيجال ليس سوى الخطوة الأولى الأساسية في طريق تأسيس البنية المالية والاقتصادية العالمية التي ينوي الرئيس شي جينبينج وضعها على طاولة البحث في قمة دول العشرين في الصين الأسبوع القادم.

وكانت السيدة هيلجا لاروش قد دعيت للمشاركة في الاجتماع التحضيري لهذه القمة على مستوى الخبراء في العاصمة الصينية في وسط شهر أغسطس، وطرحت في كلمتها في المؤتمر ضرورة التركيز في قمة العشرين على تأسيس نظام مالي عالمي جديد موجه نحو الاستثمارات في البنية التحتية والتعليم والصحة والبحث العلمي والتنمية الصناعية والزراعية وأيضا على محورية مشروع طريق الحرير الجديدوالجسر البري والعالمي باعتباره المشروع الذي سيجمع أمم الأرض حول هدف واحد سامي ومشترك.

ومن الدلائل القوية على الإهتمام الكبير بأفكار لاروش واقتراحاتها في دول البريكس بالذات هو قيام صحيفة ذا هندو وهي من أكبر الصحف الهندية بنشر مقابلة خاصة مع هيلجا لاروش يوم 2 سبتمبر ، أي قبل يومين من انعقاد القمة، وطرحت فيها بعض أهم الأفكار بخصوص طريق الحرير الجديد وحل الأزمة الاقتصادية العالمية والأزمة الاستراتيجية والتهديد الإرهابي في منطقة الشرق الأوسط.