حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2016/09/17

نداء إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة: نموذج جديد لأجل الأهداف المشتركة للبشرية!

مصنف تحت مقالات — 11:40 م

Appeal to the United Nations General Assembly: A New Paradigm for the Common Aims of Mankind!

نداء إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة: نموذج جديد لأجل الأهداف المشتركة للبشرية!

هيلجا لاروش ـ  رئيسة معهد شيللر العالمي

ترجمة: حسين العسكري

إنه لأمر جوهري أن تقوم الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي ستنعقد الآن في نيوورك بالبناء على ما تحقق مؤخرا من تقدم في قمة مجموعة العشرين تحت قيادة الصين. لقد تم رسم المسار نحو هيكلية مالية جديدة، والفرصة متاحة الآن أكثر من أي وقت مضى لكي تقوم الأمم جميعها بالمساهمة في بناء طريق الحرير الجديد على أساس التعاون وفق مبدأ رابح رابح. كما أن الفرصة موجودة الآن لكي ترتفع إنتاجية الاقتصاد العالمي على أساس الابتكار، بينما يتم التغلب على الفقر وتبعات الحروب. لكن المشكلة الرئيسية هي أن الغرب لا يزال متشبثا بالوضع القائم لنظام عالمي أحادي القطب ونظام مالي نيوليبرالي بالرغم من ثبوت إستحالة تحقيق أهداف هذين النظامين. إن صعود آسيا يبرهن على أن أمة واحدة لا تستطيع بمفردها أن تضع قواعد اللعبة، وأن التوصل إلى الحلول يجب أن يتم من خلال الحوار والمفاوضات. إن النظام النيوليبرالي يقف اليوم على حافة أزمة وجودية.

إن التوأم الأول لنظام العولمة ـ أي سياسة تغيير الأنظمة وما يسمى زورا بالتدخل الإنساني ـ قد كلف ملايين البشر حياتهم وجلب معاناة غير مسبوقة لملايين آخرين ودمر أقاليم بأكملها وخلق الأرضية الخصبة لانتشار الإرهاب وأطلق العنان لموجات هائلة من اللاجئين. إن الحربين على العراق وأفغانستان لوحدهما قد كلفتا خمسة ترليونات من الدولارات، وفقا لدراسة قامت بها البروفيسورة نيتا كروفورد من جامعة براون الأمريكية، وماذا كانت نتيجة هاتين الحربين؟

ما التوأم الثاني للعولمة ـ وهو نظام تعظيم الأرباح للبنوك الكبرى، الكبيرة إلى درجة أن الحكومات لا تستطيع السماح لها بالفشل ـ فقد أدى إلى خلق فجوة لا تحتمل بين الأغنياء والفقراء. ولو دفعت بعض البنوك المعينة ما يتعين عليها في الواقع من غرامات جزاء لأساليبها الإجرامية فإن عليها إعلان الإفلاس لأن قاعدة رأسمالها لن تكفي لدفع هذه الغرامات. لهذا فإن عملية انهيار جديدة قد أصبحت وشيكة، وستكون عواقبها أكثر كارثية من انهيار بنك ليمان براذرز في عام 2008، لأن الأدوات التي استخدمتها البنوك المركزية لانقاذ هذه المصارف في السابق قد تم استنفاذها ولم تعد ذات جدوى.

في هذا السياق، يوفر تقريران صدرا في بريطانيا مؤخرا فرصة استثنائية لإعادة تقييم وتصحيح مسار السياسة الحالية. فبعد تقرير لجنة تشيلكوت التي وضعت امسؤولية الحرب غير الشرعية على العراق والتي كانت مبنية على الأكاذيب على كاهل توني بلير. وقامت لجنة برلمانية بريطانية أخرى الأسبوع الماضي بإصدار اتهامات لا تقل حدة عن سابقتها ضد رئيس الوزراء البريطاني المستقيل دايفيد كاميرون لدوره الرئيسي في الحرب على ليبيا، والتي حسب قولها كانت مبنية على “افتراضات مغلوطة” وقادت إلى “الانهيار السياسي والاقتصادي (لليبيا) واندلاع الصراعات الميليشياوية والقبلية، وأزمات انسانية وأزمة لاجئين وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، وانتشار أسلحة نظام القذافي في كل أرجاء المنطقة، ونمو نفوذ داعش في شمال أفريقيا”.

أما بالنسبة لدور الولايات المتحدة الامريكية، فيقول التقرير أن “دور الولايات المتحدة كان محوريا في تمديد بنود القرار رقم 1973 إلى أبعد من فرض منطقة حظر جوي ليتضمن الترخيص “لجميع الإجراءات الضرورية” لحماية المدنيين. أدى هذا من الناحية العملية إلى فرض “منطقة حظر سياقة” والسماح بالهجوم على جميع شبكات القيادة والاتصالات التابعة للحكومة الليبية”.

إن المراجعة الشاملة للسياسة الحالية يجب أن تشمل أيضا مضامين الصفحات الثمانية والعشرين لتقرير التحقيق الرسمي للجنة المشتركة للكونجرس الأمريكي والذي يتعلق بالظروف المحيطة باعتداءات 11 سبتمبر 2001، وكذلك “قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب” الذي صوت عليه الكونجرس الأمريكي مؤخرا، وهو القانون الذي يتطلب إجراء تحقيق جديد كليا في تلك الأحداث.

في ضوء المعاناة الرهيبة التي سببتها هذه السياسة الفاشلة: الملايين من القتلى والجرحي، والآثار النفسية العميقة على الأطفال وحتى الجنود (ومن ضمنهم جنود الأمم التي شنت الحروب)، وتدمير المدن والقرى والبنية التحتية والثروة الثقافية التي لا تعوض ـ فإنه ليس فقط من المناسب فحسب بل ومن الواجب أخلاقيا أيضا للبلدان التي شاركت في تلك الحروب التحالفات المختلفة أن تراجع وتتمعن في عمليات صنع القرار في برلماناتها وأن تشارك بشكل كامل في إعادة بناء المناطق التي لحق بها الدمار. صحيح أن هذا لن يعيد الموتى إلى الحياة من جديد، لكن الإعتراف بالذنب والتغيير الحقيقي في سياساتها تجاه مسألة التنمية سيعطي الناس الذين يعيشون الآن في تلك المناطق الأمل في مستقبل ما.

إن استدامة الوضع القائم قد أصبحت مستحيلة. فقد أصبحت لدينا حالة من انعدام كلي للثقة في أوساط شعوب العالم الأطلسي كنتيجة لتوأمي العولمة. كما بدأت الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب اليمينية الشعبوية بالبروز بقوة. وتهدد الظروف المشابهة لظروف ثلاثينات القرن الماضي بالعودة إلى الظهور مجددا في شكل جديد. أما الاتحاد الاوربي فقد بدأ بالتفتت، ولن يمكن حل أزمة اللاجئين بواسطة تأمين الحدود الخارجية للاتحاد الأوربي وإنما ستتم فقط إعادة تموضعها واخفائها من نشرات الأخبار. أما الإقتصاد الأمريكي فهو في حالة انهيار، والمجتمع الأمريكي قد بات يمزقه العنف ويسيطر عليه أكثر من أي وقت سابق. لذلك يوجد أمنا خياران لا ثالث لهما: فإما أن يقود هذا الوضع إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين وإبادة الجنس البشري في حرب كبرى جديدة، أو أن يتحلى السياسيون القياديون في الغرب بما يكفي من النزاهة الأخلاقية لتصحيح أخطاء الماضي.

الحل

وعودة إلى الجانب الإيجابي المذكور في مستهل هذا البيان، يمكن القول أن المسار قد تم خطه نحو مخرج لأزمة الحضارة هذه منذ قمة العشرين الأخيرة في هانجو في الصين. فلم تقم الصين فقط بتقديم مستوى جديد من التعاون المبني لا على الجيوبوليتيك بل على سياسة المنفعة المتبادلة بين جميع الأمم، بل وقامت كذلك بالتعهد بتنمية أفريقيا وامم أخرى من ذات الدخل المحدود تنمية صناعية، وهذا منهج بمقدوره أن يحل كل من أزمة اللاجئين ويقضي على بيئة الإرهاب في آن واحد. من الواضح أن توسيع طريق الحرير الجديد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا يتطلب ويجلب في ذات الوقت معدلات نمو تبلغ 7 إلى 10%.

ولكن في هذه الأثناء تدخل نادي روما بسرعة بإصداره تقرير جديد بعنوان تهكمي مفاده “واحد في المئة تكفي”، ويوصي بسياسة ستكون نتيجتها الحتمية تقليل النسل البشري، وهي سياسة فاشية ومن الصفات السيئة المعروفة لنادي روما. لقد شددت الأمم المتحدة على أن أفريقيا تحتاج إلى نسبة نمو بمعدل 7 إلى 8%. لكن عندما يخرج أحد كتاب تقرير نادي روما، وهو النرويجي يورجن راندرس، بتصريحه المقزز ويقول “إن إبنتي هي أخطر حيوان في العالم” لأنها تستهلك من الطاقة ما يفوق بثلاثين مرة ما تستهلكه فتاة في دولة نامية، فإن هذا ينفع في كشف نظرة نادي روما للإنسان وهي النظرة التي يعتمد عليها في أفكاره، أي نظرة وحشية للإنسان.

لكن الإنسان، بخلاف كل المخلوقات الباقية، قادر على استخدام قدراته الإبداعية لاكتشاف رؤى ومعارف جديدة باستمرار بخصوص قوانين الكون. يسمى هذا الأمر بإسم التقدم العلمي. إن العملية اللامحدودة المتمثلة بزيادة كمالية العقل الإنساني لها ما يوافقها ويوازيها في قوانين الكون الفيزيائي الذي يرتقي هو ذاته نحو كثافات أعلى من تدفق الطاقة. إننا لا نعيش في منظومة مغلقة ومحدودة في كوكب الأرض ـ كما يدعي نادي روما ـ بل أن كوكبنا هو جزء متأصل في المنظومة الشمسية والمجرة والكون، وهذا ما يكشفه أمامنا علم الفضاء شيئا فشيئا في كل يوم. إن هذا البحث في الفضاء له فوائد لكوكب الأرض ذاته، ولهذا يمكن اعتبار ما أعلنت عنه الصين في قمة مجموعة العشرين أمرا رائعا، إذ أعلنت أنها ستتقاسم مع الدول النامية نتائج جميع البحوث الأكثر تقدما في مجال الفضاء ومشاريع استكشاف القمر.

لقد وصل الجنس البشري إلى مفترق طرق. فإذا تابعنا المسير في الطريق المعتادة وتطبيق سياسة “المزيد من القديم”، فإن هذا سيهدد بتمزيق العالم. لكن إذا سرنا في اتجاه مغاير واستطعنا الاتفاق على ماهية الأهداف المشتركة للبشرية ـ نظام اقتصادي ومالي في خدمة رفاهية جميع البشر، نظام يجعل من الممكن منح حياة كريمة لكل شخص على هذا الكوكب، وضمان الحصول على المواد الخام والطاقة عبر تقنيات ذات مستوى أعلى مثل طاقة الاندماج النووي، وسبر أغوار الفضاء لحماية كوكب الأرض من الأخطار، وخلق عصر نهضة جديد للثقافة الكلاسكية ـ عندها سنكون قدارين على فتح الباب أمام عهد أفضل في تاريخ نوعنا البشري.

إن الجمعية العمومية للأمم المتحدة هي المكان المناسب لتأسيس النموذج الجديد للإنسانية على أساس ماهو فوق كل الخلافات مابين الأمم، وأن ينطلق منها ويحتفى به فيها.