حركة ليندون لاروش العالمية
Executive Intelligence Review

2018/06/20

التاريخ يسطر الآن في آسيا ـ على قمة الاتحاد الاوربي الاحتذاء بمثال قمة سنغافورة

Filed under: مقالات — 12:10 ص

History Is Now Being Written in Asia—The EU Summit Must Follow the Example of Singapore!

by Helga Zepp-LaRouche

 

هيلجا لاروش تدعو لحل أزمة اللاجئين في أوربا والعالم:

التاريخ يسطر الآن في آسيا ـ على قمة الاتحاد الاوربي الاحتذاء بمثال قمة سنغافورة

 

وجهت السيدة هيلجا لاروش، رئيسة معهد شيللر الدولي هذه الدعوة إلى قادة الاتحاد الأوربي وإلى السياسيين ووسائل الإعلام العالمية في يوم 18 يونيو 2018

 

لقد ظهر التناقض بأوضح صورة هذه الأيام، حيث أطلقت قمة سنغافورة التي عقدت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم يونج اون عملية سلام ذات تداعيات تتجاوز بتأثيراتها شبه الجزيرة الكورية. ثم انطلقت قمة منظمة شانجهاي للتعاون معلنة عن مرحلة جديد من بناء نظام عالمي مبني على الثقة والتناغم والتنمية المشتركة. لكن رأينا في الجانب الآخر قمة مجموعة سبع مشتتة ومليئة بالمشاحنات في كندا، والتي عاد منها قادة المجموعة من الاوربيين إلى بلدانهم ليغوصوا في نزاعات جديدة بحجة تجدد أزمة اللاجئين القادمين عبر البحر المتوسط إلى اوربا، وقد كانت ردة فعل هؤلاء القادة اقتراحهم حلولا ليست فقط فاشلة وإنما بربرية تتمثل في التهديد بطرد اللاجئين من بعض الدول ومنع استقبالهم في أخرى. لقد حان الوقت لتغيير منحى السياسة في القارة العجوز! إن الفرصة المتاحة للقيام بذلك هي اجتماع قمة دول الاتحاد الأوربي في يومي 28 و 29 يونيو الجاري.

برغم كل التعليقات التهكمية والساخرة التي أطلقتها وسائل الإعلام الرئيسية المعتادة، إلا أن قمة ترامب وكيم ما كانت لتحدث أبدا لولا انتشار روح طريق الحرير الجديد، هذه الروح التي هبت رياحها عبر قارة اسيا بشكل خاص في الأعوام الأخيرة الماضية. لقد كانت فكرة دمج كوريا الشمالية في المنظومة الاقتصادية لحزام وطريق الحرير الجديد وكذلك في الاتحاد الاقتصادي الاوراسيوي حاضرة في “المنتدى الاقتصادي الشرقي” المنعقد في فلاديفوستوك الروسية العام الماضي. أما في قمة الكوريتين الشمالية والجنوبية في بانمونجوم في شهر أبريل من هذا العام، فقد أعطى رئيس كوريا الجنوبية مون جاي ـ إن زميله كيم حافظة معلومات الكترونية (يو اس بي) تتضمن خططا مفصلة للتنمية الاقتصادية لكوريا الشمالية.

أما البيت الأبيض، وبالتعاون مع مجلس الأمن القومي، فقد هيأ فلما تسجيليا يطرح رؤية لكوريا شمالية حديثة ومتقدمة صناعيا ومرفهة ـ تسير في أرجائها قطارات فائقة السرعة وقطار مغناطيسي صيني وفيها مراكز صناعية، ويبين بلدا في حالة نهضة. وقد عرض الرئيس ترامب هذا الفلم أمام الزعيم الكوري الشمالي أثناء اجتماعهما قبل المؤتمر الصحفي الختامي. إن على العقول التي يتم غسلها في الغرب من قبل وسائل الإعلام المليئة بالانحياز والأحكام المسبقة، أن تشاهد بنفسها المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس ترامب مع الزعيم الكوري بالكامل في الأرشيف. لقد عرض رئيس أمريكي مستقل القرار في ذلك المؤتمر الصحفي نتيجة تلك القمة: نزع سلاح نووي شامل في كوريا الشمالية مقابل ضمانات أمنية وتعهد بتطوير اقتصاد كوريا الشمالية. بالإضافة إلى ذلك، أعلن ترامب قرار وقف المناورات العسكرية الأمريكية مع كوريا الجنوبية. وعبر عن ذلك الأمر بالقول أن وقف تلك المناورات سيوفر الكثير من المال، وأنها استفزازية للشمال في كل الأحوال.

لقد كانت ردة فعل شعب الكوريتين مليئة بالابتهاج بعد مشاهدتهم القمة والمؤتمر الصحفي. كما صفق الرئيس الكوري الجنوبي مون ـ إي تصفيقا حارا لأكثر من مرة أثناء المؤتمر الصحفي. علينا نحن هنا في ألمانيا أن نتذكر البهجة التي أحسننا بها عند سقوط جدار برلين حتى نحس بما يشعر به سكان الكوريتين الآن.

إن روسيا والصين لم تلعبا فقط دورا مهما وراء كواليس المفاوضات مع كوريا الشمالية أثناء التحضير للقمة، بل وأيضا وعدت الحكومة الروسية بتقديم المساعدة في عملية التنمية الاقتصادية، بينما وعدت الحكومة الصينية بتوفير الضمانات الأمنية لكوريا الشمالية. وشدد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على أهمية العودة للمحادثات السداسية لتوفير الضمانة العالمية لتطبيق الاتفاقية. وقد أشارت صحيفة جلوبال تايمز الصينية إلى أن اقتصاد كوريا الشمالية ليس منهك تماما كما يشاع عادة وذكرت “أن كوريا الشمالية تتمتع بمزايا اقتصادية وجغرافية تؤهلها للانخراط في مبادرة الحزام والطريق مما سوف يساعد هذا البلد على تحقيق قدراته الاقتصادية الكامنة. لكن لن يكون ذلك سهلا ولن يحدث هذا الأمر في ليلة وضحاها. لكن دمج كوريا الشمالية في مبادرة الحزام والطريق للمساهمة في الاندماج الاقتصادي قد يكون أسهل مما يتصوره الناس.”

كما عقد مؤتمر قمة مجموعة منظمة شانجهاي للتعاون في الصين بالتزامن مع قمة سنغافورة، وحضرتها كل من الباكستان والهند لأول مرة معا باعتبارهما دولتان كاملتا العضوية في المنظمة. وافتتح الرئيس الصيني شي جينبينج المؤتمر بتحية الحاضرين بأن روح فلسفة كونفوشيوس سوف تقود المستقبل. ومن المعروف أن مسقط رأس الفيلسوف الصيني هو في مقاطعة شاندونج التي عقدت فيه القمة في مدينة تشينغداو. ووصف وزير الخارجية الصيني وانج يي مداولات مؤتمر منظمة شانجهاي للتعاون باعتبارها بداية عهد جديد لخلق نظام عالمي مبني على أساس الثقة المشتركة والمنفعة المتبادلة والمساواة واحترام التنوع والتنمية المشتركة. وقد وضح أن هذا النظام الجديد سوف يتجاوز المفاهيم البالية مثل صراع الحضارات والحرب الباردة وفكر “إما رابح أو خاسر” والتجمعات الإقصائية التي تستثني الآخرين.

كم كانت قمة مجموعة الدول السبعة في كندا مختلفة! إن الصورة التي ظهرت فيها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي في حالة مواجهة لسانية مع ترامب بينما بقية الزعماء يحيطون بها هي تعبير واضح عن انحلال النظام الجيوبوليتيكي لما بعد الحرب العالمية، حيث بدت مجموعة السبعة وكأنها “ستة ضد واحد”. لكن في الحقيقة كانت تلك قمة الأربعة لأن ترامب ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ورئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي لم يكونوا راضين عن استمرار اقصاء روسيا عن المجموعة واستمرار فرض العقوبات عليها. إن تفكك الوحدة بين الاوروبيين تتضح بشكل جلي عبر أزمة اللاجئين. يجب أن يكون واضحا أللجميع أنه لا القيام باستبعاد اللاجئين عند وصولهم إلى السواحل الاوربية بأي وسيلة من الوسائل هو أمر ممكن عمليا، ولا عودة الوحدة بين هذه الدول قبل انعقاد قمة الاتحاد الاوربي ممكنة على أساس “الحلول” المقترحة لحد الآن.

إن اقتراح وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر إبعاد اللاجئين عند وصولهم حدود ألمانيا، إذا كانوا مسجلين من قبل في بلد أخر من بلدان الاتحاد الاوربي، سوف يعني نهاية اتفاقية شينجن بين دول الاتحاد، وبالتالي تدمير الأسس التي قامت عليها وحدة العملة. أما فكرة بناء معسكرات اعتقال للاجئين في بلدان آخرى مثل ليبيا، التي انحدرت نحو الفوضى الداخلية نتيجة لسياسات الرئيس الامريكي باراك اوباما بالتدخل العسكري، هي فكرة بربرية إلى درجة انها سوف ترمي ما تسمى “القيم الغربية” المزعومة في مزبلة التاريخ.

من المتوقع أن يعيش مليارا إنسان في أفريقيا بحلول عام 2040، وستكون الغالبية العظمى منهم من الشباب والأطفال الذين سوف يكونون بحاجة للتعليم وفرص العمل ورؤية ايجابية نحو المستقبل. إن ما تحتاجه القارة الأفريقية هو استثمارات هائلة في البنية التحتية الأساسية والصناعات والزراعة من ذات النوعية والحجم اللذان انجزتهما الصين خلال الأعوام العشر الماضية. لقد ساهمت الصين في تقليل نسبة الفقر في افريقيا من 56% في عام 1990 إلى 43% في عام 2012.  لقد اقترح الرئيس الصيني شي جينبينج في قمة دول العشرين التي عقدت في هامبورج عام 2017 بشكل صريح وأكثر من مرة للمستشارة ميركل أن تتعاون ألمانيا مع مشروع طريق الحرير الجديد في أفريقيا. لكن الحكومة الألمانية التي لديها ما تسمى “خطة مارشال لأفريقيا” والتي لا تتجاوز تطبيق “التقنيات الخضراء” البدائية المعتادة في مشاريع “تنمية مستدامة” صغيرة، وباستثناء اقتراحات معسكرات الاعتقال للاجئين وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الاوربي ليس لديها أي جديد تأتي به للقمة.

لكن نائب وزير التنمية الإيطالي البروفيسور ميكيل جيراسي نشر للتو مذكرة للتعاون مع الصين يحدد فيها 11 قطاعا لإيطاليا مصلحة وجودية فيها للتعاون مع الصين. ومن بين النقاط الأخرى يرد في هذه المذكرة العبارات التالية: “أفريقيا واللاجئين؟ من يستطيع أن يساعد أفريقيا؟ الصين.” يذكر جيراسي أن الصين قد استثمرت أكثر من أي دولة أخرى في أفريقيا، وبفضل الصين بدأ الفقر يتراجع في أفريقيا لأول مرة. ويضيف جيراسي: “إن الصين تضع أمام أوروبا وأمام إيطاليا بالذات فرصة تاريخية للتعاون من أجل الاستقرار الاقتصادي ـ الاجتماعي في أفريقيا، وهذه فرصة لا ينبغي علينا إطلاقا تفويتها. لهذا، علينا توطيد علاقات التعاون بين ايطاليا والصين في أفريقيا.”

إذا كانت حكومة المستشارة ميركل لا تزال قائمة عند نشر هذه المقالة، فإنه توجد طريقة جيدة للتغلب على هذه الأزمات الحالية ـ من أزمة اللاجئين إلى أزمة التشكيلة الحكومية وإنتهاء بأزمة الاتحاد الأوربي، وهي كالتالي: إذا تبنينا النموذج الذي رسخته قمة سنغافورة، بمعنى أن التغيير ممكن وأن الماضي لا يحدد المستقبل، فإن على الحكومة الألمانية أن تقوم وبسرعة بتغيير أجندة اجتماع قمة دول الاتحاد الاوربي التي ستعقد في يومي 28 و 29 يونيو. يجب أن يكون البند الوحيد على أجندة تلك القمة هو تعاون الاتحاد الاوروبي مع مبادرة طريق الحرير الصينية من أجل تنمية أفريقيا، وأن تتم دعوة الرئيس الصيني ووزير خارجيته لحضور هذه القمة، بالإضافة إلى حضور عدد من قادة أفريقيا من الذين لديهم علاقات تعاون مسبقة مع الصين.

إذا تمكن قادة الاتحاد الاوربي والصين والقادة الأفريقيين في هذا الاجتماع من وضع بيان مشترك يعبرون فيه عن التزامهم بالقيام ببرنامج عاجل لبناء البنية التحتية والتنمية الافريقية الشاملة، وأن يتعهدوا لكل الشباب في أفريقيا بأن القارة سوف تتغلب على الفقر في وقت قصير، فإن مثل هذا الإعلان وبسبب مشاركة الصين فيه سيكون له مصداقية في العالم وأمام الشعوب الأفريقية، وسوف يغير من ديناميكية الوضع في كل الدول نحو الأمل في مستقبل أفضل، وهذا ما سيؤثر بشكل مباشر على أزمة اللاجئين. كما سيحرر هذا الأمر الاتحاد الاوربي من أزمة شرعيته الحالية، وسيمنح الأمم الأوربية مهمة ورسالة تضع الوحدة بين الأمم الأوربية على مستوى أعلى وأعظم مما هي عليه الآن.

هل سيتمكن قادة دول الاتحاد الاوربي من اتباع المثال الذي رسخه الرئيس ترامب والزعيم كيم؟ إن منظور تنمية أفريقيا بالتعاون مع الصين سوف يمنح الرئيس ترامب أيضا الفرصة التي يحتاجها بشكل حاد لتجنب الانحدار نحو هاوية حرب تجارية مع الصين، وسد العجز في الميزان التجاري الأمريكي عن طريق زيادة حجم التجارة بالذات عبر مشاريع مشتركة في بلدان ثالثة.

إن الأزمة في أوربا وأزمة اللاجئين وأزمة الحكومة الألمانية قد وصلت كلها إلى هذا الحجم الحرج بحيث أصبحت الفرصة مواتية لتغيير مسار السياسات، ويجب انتهاز هذه الفرصة بكل ما نستطيع. ما نحتاجه الآن هو الأناس الذين يستطيعون أن يجعلوا هذا الأمر يحدث بالفعل.